تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 859

مساهمون:

ص٨٥٩
ويحكى : أن رابعة صامت سبع ليال وسبعة أيام متوالية دون أن تتناول شيئا ، ولا تنام الليل ، منقطعة إلى الصلاة ، وفي الليلة الثامنة قالت لها نفسها الأمّارة بالسوء ، وهي تنوح : يا رابعة ، إلى متى تعذّبينني هكذا دونما هوادة ؟ وخلال هذا الحديث النفسي سمع صوت قرع على الباب ، ففتحت رابعة ، فكان رجل أحضر لها طعاما في كأس . فأخذته رابعة ، ووضعته في البيت ؛ فلمّا تركته لإشعال المصباح أتى قطّ وأكل كلّ ما في الكأس . فلمّا عادت رابعة ، ورأت ما حدث قالت : سأبحث عن ماء أفطر به . فلمّا ذهبت للحصول على ماء انطفأ المصباح . فعادت ورفعت الجرة للشرب ، لكنّها سقطت من يديها وانكسرت . فزفرت رابعة زفرة كاد البيت أن يحترق منها ، وصرخت : إلهي ، ماذا أردت بهذه المسكينة ؟ فسمعت صوتا يقول : يا رابعة ، إذا شئت أعطيناك الدنيا بأسرها ؛ لكن يجب من أجل هذا أن ننزع الحبّ الذي في قلبك لنا ، لأنّ حبّنا وحبّ الدنيا لا يجتمعان معا . فقالت رابعة : لمّا سمعت أني أخاطب على هذا النحو ، نزعت من قلبي كلّ تعلّق بأمور الدنيا ، وصرفت نظري عن كلّ الدنيويات ، وها أنذا قد أمضيت ثلاثين عاما لم أصلّ فيها دون أن أقول : هذه الصلاة لعلّها تكون آخر صلواتي ، ولم أملّ من تكرار هذا القول : إلهي ، أغرقني في حبّك حتى لا يشغلني شيء عنك . ويحكى : أنّ رابعة كانت تنوح باستمرار ، فسئلت : لماذا تنوحين ، وما من ألم تشكين منه ؟ فأجابت : وا أسفاه ، إنّ العلّة التي أشكو منها من نوع لا يستطيع طبيب أن يشفيه ؛ ودواؤها الوحيد هو رؤية اللّه ، وما يعينني على احتمال هذه العلّة هو رجائي في أن أبلغ رغباتي في العالم الآخر . ويحكى : أنه أتى إلى رابعة كثير من الصالحين ، فسألت أحدهم : وأنت ، لماذا تعبد اللّه تعالى ؟ فأجاب : لأنّي أخاف النار . وقال آخر : وأنا أعبده خوفا من النار ، وطمعا في الجنة . فقالت رابعة : ما أسوأ العبد الذي يعبد اللّه تعالى رجاء دخول الجنة أو مخافة النار ! وأضافت : فإذا لم يكن ثمة جنة ولا نار ، أفلا تعبد اللّه تعالى ؟ فسألوها : وأنت ، لماذا تعبدين اللّه ؟ فأجابت : أعبده لذاته ؛ أفلا يكفيني نعمة منه أنه يأمرني بعبادته ؟ !
تذكرة الأولياء — صفحة 859 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر