تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 860

مساهمون:

ص٨٦٠
ويروى كذلك : أنّ جماعة من الصالحين ذهبوا لزيارة رابعة ؛ فلمّا رأوها عليها أسمال ممزّقة ، قالوا : أي رابعة ، كثير من الناس سيساعدونك إن طلبت منهم المساعدة . فأجابت : إنّي أخجل من أن أسأل الناس شيئا من متاع هذه الدنيا ؛ لأن شؤون الدنيا ليست ملك أحد ، وما هي إلّا عارية في يد من هي في يده . فقالوا : هذه امرأة نبيلة العواطف . ثم سألوها : إن اللّه تعالى قد توّج رؤوس أوليائه بنعمة الكرامات ومنطقهم بها ؛ ولكن هذه المقامات لم تظفر بها امرأة ، فكيف بلغت هذه المرتبة ؟ فأجابت : ما قلتموه صحيح ، لكنّ الكبرياء والغرور وادعاء الألوهية لم تصدر مطلقا عن امرأة ، ولم تصر امرأة فاسقة لامرأة أخرى . ويروى : أن رابعة مرضت ، فلمّا سئلت : ماذا أصابها ؟ أجابت : في هذه الليلة عند الفجر اشتاق قلبي إلى الجنة ، فأصابني اللّه بهذه المحنة حتى يرغمني على الاحترام . وروى الحسن البصري قال : ذهبت يوما إلى رابعة أسأل عن أخبار مرضها ، فرأيت تاجرا يبكي ، فسألته : ما يبكيك ؟ فأجاب : أتيت إلى رابعة بهذا الكيس من الذهب ، وأخشى ألّا تقبله ، فاذهب أنت ، واطلب منها أن تقبله لعلّها تفعل . فدخلت على رابعة - هكذا قال الحسن - ولم أكد أخبرها بهذا الذي قاله التاجر حتى نظرت إليّ بمؤخّر عينها ، وقالت : إنّك أيّها الحسن تعرف تماما أنّ اللّه تعالى يعطي الطعام لمن لا يركعون له ، فكيف لا يعطيه من يغلي قلبه حبّا لجلاله ، هو يرزق من يسبّه ، أفلا يرزق من يحبّه « 1 » ؟ وأنا منذ عرفت اللّه صرفت وجهي عن كلّ مخلوق ، والآن ، فكيف أقبل المال من إنسان ، ونحن لا نعلم أهو حلال أو حرام ؟ ! ثم قالت : ذات يوم وضع في المصباح زيت من بيت السلطان ، ورفوت ثوبي الممزّق على ضوء هذا المصباح ، فظلّ قلبي طوال أيام مغمورا بالظلمة ، ولم يضئ إلّا حينما شققت الثوب الذي رفوته ، فاعتذر لهذا التاجر ، ودعه يذهب .
هامش
( 1 ) في الأصل بالعربية .
تذكرة الأولياء — صفحة 860 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر