يرزقني ويرزقهم ، أفمن يرزق الأغنياء لا يرزق الفقراء ؟ فإذا كانت هذه مشيئته ، فنحن من جانبنا نرضى عنها كلّ الرضا .
ويحكى : أنّ مالك بن دينار ، والحسن البصري ، وشقيق البلخي ذهبوا لزيارة رابعة ، فتحدّثوا عن الإخلاص ، فقال الحسن : ليس بصادق في دعواه من لم يصبر على ضرب مولاه . فقالت رابعة : هذا غرور . وقال شقيق البلخي :
ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على ضرب مولاه . فقالت رابعة : هناك ما هو خير من هذا . فقال مالك بن دينار : ليس بصادق في دعواه من لم يتلذّذ بضرب مولاه . فصاحت رابعة : هنالك أفضل من هذا . فقالوا لها : تكلّمي أنت إذن . فقالت رابعة : ليس بصادق في دعواه من لم ينس الضرب في مشاهدة مولاه ، مثل نسوة مصر اللائي نسين آلام أيديهن لما رأين وجه يوسف .
وكان أحد علماء البصرة يزور رابعة ، فأنشأ يتحدّث عن شرور هذه الدنيا ، فقالت رابعة : آه ، لا بدّ أنك تحبّ هذه الدنيا ، فإنّ من أحبّ شيئا أكثر من ذكره ، فمن يريد أن يشتري ثيابا يتحدّث عنها كثيرا ، فلو أنّك تجرّدت تماما عن هذه الدنيا ، فماذا يهمك من خيراتها أو شرورها ؟
ويروى : أنّ الحسن البصري قال : عند صلاة الظهر ذهبت إلى رابعة ؛ وكانت قد وضعت قدرا فيه لحم ، فلمّا بدأنا الحديث عن المعرفة ، قالت :
لا حديث خير من هذا ؛ والأفضل أن أستمرّ فيه على أن أطهي اللحم . ولم تنفخ في النار تحت القدر ، فلمّا فرغنا من صلاة العشاء ، أحضرت رابعة ماء وخبزا جافا ، ثم أفرغت ما في القدر ، فوجد أنّ اللحم الذي كان فيه قد طهي بقدرة اللّه ، فأكلنا من هذا ، وكان له طعم لم نتذوق مثله قط .
وقال سفيان الثوري : كنت عند رابعة ذات ليلة ، فصلّت حتى أشرق الفجر ، وصلّيت أنا كذلك ، وفي الصباح قالت : يجب أن نصوم اليوم شكرا على هذه الصلوات التي أقمناها هذه الليلة .
ويروى : أنها كانت تقول وهي لهيفة القلب : إلهي ، إن بعثت بي يوم البعث
تذكرة الأولياء — صفحة 862
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٨٦٢