وأخذت إحدى القطعتين في كلتا اليدين مخافة أنّي لو أمسكت بهما معا لجعلاني أضلّ الطريق القويم .
وقال لها الحسن أيضا : لو كنت في الجنة بعيدا قدر نفس من وجه اللّه لبكيت إلى حدّ يثير شفقة الآخرين عليّ . فقالت رابعة : حسنا ؛ لكنّ من يهمل في هذه الدنيا ، أو يسبّح بحمد اللّه لحظة وهو ينوح ويبكى ، فإنّ هذا آية على أنه في الآخرة سيكون على الحال التي وصفتها .
وسئلت : لماذا لا تتزوّجين ؟ فأجابت : هناك ثلاثة أشياء تسبّب الهمّ عندي ؛ فإذا كان من يخلّصني منها تزوّجت . قيل : وما هي ؟ فأجابت : أولها : هل إذا أنا متّ أأستطيع أن أتقدّم بإيماني طاهرا ؟ والثاني : إذا ما كنت سأعطى كتابي بيميني يوم القيامة ؟ والثالث : إذا جاء يوم البعث وأخذ أصحاب الميمنة إلى الجنة ، وأصحاب المشأمة إلى السعير ، فمن أي الفريقين سأكون ؟ فقالوا جميعا : لسنا نعرف شيئا عمّا سألته . فقالت : إذا كان الأمر كذلك ، وأنا في قلق من هذه الأمور ، فكيف أحتاج إلى الزوج وأتفرّغ له ؟
وسئلت : من أيت أتيت ؟ فقالت : من العالم الآخر . فقيل : وإلى أين تذهبين ؟ قالت : إلى العالم الآخر . قيل : وماذا تفعلين في هذه الدنيا ؟ قالت :
أعبث بها : قيل : وكيف تعبثين بها ؟ قالت : آكل من خبزها ، وأعمل عمل الآخرة .
وسئلت أيضا : إنك بارعة في الكلام ، أفلا تصلحين لحراسة رباط ؟ فقالت :
إني حارسة رباط فعلا ، لأنّي لا أدع شيئا يخرج ممّا في داخلي ، ولا أدع شيئا يدخل ممّا هو خارج .
وسئلت : أي رابعة ، أتحبّين اللّه تعالى ؟ قالت : أوه ، نعم أحبّه حقّا . قيل :
وهل تكرهين الشيطان ؟ قالت : إنّ حبّي للّه قد منعني من الاشتغال بكراهية الشيطان .
ويروى : أن رابعة رأت الرسول عليه السلام في المنام ، وهو يسلّم عليها
تذكرة الأولياء — صفحة 857
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٨٥٧