تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 836

مساهمون:

ص٨٣٦
وقيل : إنّه كان معه في السجن ثلاث مئة سجين ، وحين جنّ عليه الليل قال : أيّها السّجناء ، سأخلّصكم . قالوا : لماذا لا تخلّص نفسك ؟ فقال : أنا في قيد اللّه ، وأقدّر السلامة ، فلو أردت لفتحت كلّ القيود بإشارة واحدة . ثم أشار بأصبعه ، فتحطّمت جميع القيود ، فقالوا : أين سنذهب ، وباب السجن مغلق ؟ فأشار بيده ، فحدثت فجوات في الجدار ، فقال : ليذهب كلّ منكم لحال سبيله . فقيل له : ألا تأتي أنت ؟ قال : إنّ لي معه سرّا لا يمكن البوح به إلّا على منصّة القتل . وفي اليوم الثاني سئل : أين السّجناء ؟ فقال : أطلقت سراحهم . فقيل : لم لم تذهب أنت ؟ فقال : إنّ الحقّ عاتب عليّ فلم أذهب . فبلغ هذا الخبر الخليفة ، فقال : سيخلق الحلاج فتنة ، فاقتلوه أو اجلدوه ليرجع عن كلامه هذا . فضرب ثلاثة مئة جلدة ، ومع كلّ جلدة كان يأتي نداء بلسان عربيّ فصيح : لا تخف يا بن منصور . يقول الشيخ عبد الجليل الصفّار : كان إيماني بذلك الجلّاد أكثر من إيماني بالحسين بن منصور ، لأن ذلك الرجل كان له من القوّة ما يجعله يسمع ذلك النداء الصريح ، ولا ترتجف يده ، ويواصل الجلد . وفي مرة أخرى أخذ الحسين ليصلب ، فاجتمع مئة ألف إنسان حوله ، وكان هو يدير طرفه فيهم ويقول : حقّ ، حقّ ، أنا الحقّ . وروي أنّ متصوّفا سأله وهو في تلك الحالة : ما العشق ؟ فقال : اليوم تراه ، وغدا ، وبعد غد . فصلب في ذلك اليوم ، وأحرق في اليوم التالي ، وفي اليوم الثالث ذرّي رماده . أي أن العشق هو ذلك . فطلب إليه خادمه ، وهو في تلك الحال وصية ، فقال : اشغل النفس بشيء يمكن فعله ، وإلّا شغلتك هي بشيء لا يمكن فعله « 1 » ، وفي هذه الحال فإنّ الخلوة بالنفس هي عمل الأولياء . وقال ابنه : أوصني . فقال : إذا انهمك الناس في الأعمال ، فاشغل نفسك
هامش
( 1 ) في سير أعلام النبلاء 14 / 350 : هي نفسك ، إن لم تشغلها شغلتك .
تذكرة الأولياء — صفحة 836 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر