وقال : ما التصوّف يا حلّاج ؟ فأجاب : أقلّه ما تراه . فقال : وما أكثره ؟
قال : لا سبيل لك إلى ذلك .
وقد رماه كلّ واحد بحجر إلّا الشّبليّ فإنّه رماه بطينة إظهارا لموافقته لهم .
فتأوّه الحسين بن منصور ، فسئل : لم تتأوّه من كلّ هذه الأحجار ، فما معنى أن تتأوّه من طينة ؟ فقال : لأن هؤلاء لا يعلمون ؛ فهم معذورون ، وإنّما يصعب عليّ تحمّل ذلك منه لأنه يعلم أنه لا ينبغي له أن يرجمني .
ثم إنّهم قطعوا يده ، فضحك ، فسئل : لماذا تضحك ؟ قال : إنّ قطع يد إنسان مقيّد أمر سهل ؛ والرجل هو الذي يقطع يد الصفات التي ترفع تاج الهمّة عن مفرق العرش .
ثم قطعوا رجليه ، فتبسّم ، وقال : لقد كنت أسافر بهاتين القدمين سفرا على التراب ، ولي قدم أخرى تسافر اليوم في كلا العالمين ، فإن استطعتم فاقطعوا تلك القدم .
ثم مسح بيديه المقطوعتين الداميتين وجهه حتى لطخ ساعديه ووجهه بالدماء . فسئل : لماذا فعلت هذا ؟ أجاب : لقد نزف منّي دم كثير ، وأعلم أن وجهي أصفر ، وقد تتصوّرون أنّ صفرة وجهي هي من الخوف ، فلطّخته بالدم لأكون في عيونكم أحمر الوجه ، فحمرة الرجال هي دماؤهم . فسئل : إذا كنت قد جعلت وجهك أحمر بالدم ، فلماذا لطّخت ساعدك ؟ فقال : أنا أتوضأ .
فسئل : أيّ وضوء ؟ أجاب : ركعتان في العشق لا يصحّ وضوؤهما إلّا بالدم .
ثم اقتلعوا عينيه ، فارتفع صراخ الناس ، فكان البعض يبكي ، والبعض يقذف بالحجارة .
ثم أرادوا قطع لسانه ، فقال : اصبروا حتى أتحدّث بحديث . فتوجّه نحو السماء وقال : إلهي ، لا تحرمهم من هذا العذاب الذي يذيقونني إيّاه لأجلك ، ولا تحرم دولتهم من ذلك ، الحمد للّه أنهم قطعوا يديّ ورجليّ في سبيلك ، ولو فصلوا رأسي عن جسدي فهم بمشاهدة جلالك سيفعلون ذلك مرّة أخرى فوق المنصّة .
تذكرة الأولياء — صفحة 838
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٨٣٨