ثم قطعوا أذنه وأنفه ورجموه ، فجاءت عجوز تحمل جرّة ، وحين رأت الحسين قالت : ارجموه بشدّة ؛ فما لهذا الحلّاج المصلوب وكلام اللّه ؟
وكان آخر كلام الحسين هو : حسب الواحد إفراد الواحد ، وتلا هذه الآية :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ
[ الشورى : 18 ] .
ثم قطعوا لسانه ، وكان الوقت عند صلاة العشاء حين قطعوا رأسه . وقد تبسّم خلال قطعه وأسلم الروح ، فضجّ الناس .
وأخذ الحسين كلام القضاء إلى نهاية ميدان الرضا ، وكان ينطلق من كلّ عضو من أعضاء بدنه نداء : أنا الحقّ .
وفي اليوم التالي قيل إنّ الفتنة ستكون أكبر ممّا كانت عليه أيام حياته ، ثم إنّهم أحرقوا أعضاءه ، فكان ينطلق من الرماد نداء : أنا الحقّ .
كما أنّ كلّ قطرة دم كانت تراق حين قتله كانت تكتب ( اللّه ) ، فتحيّروا في أمره ، فألقوه في دجلة ، وفي الماء أيضا كان يقول : أنا الحق .
وكان الحسين قد أوصى : عندما يلقى رماد بدني في دجلة سيخشى على بغداد من الغرق ، فخذوا خرقتي إلى الماء ، وإلّا فسيحلّ الدمار ببغداد . فلمّا رأى الخادم ذلك أخذ خرقة الشيخ إلى شاطىء دجلة إلى أن استقرّ الماء ، وانطفأ الرماد ، فجمعوه ودفنوه ، ولم يكن لأحد من أهل الطريقة هذه الفتوح .
قال أحد المشايخ : يا أهل الطريق اعتبروا ، إن كانوا فعلوا هذا بالحسين بن منصور الحلّاج فماذا سيفعلون بمن يدّعي ذلك ؟
قال عباس الطوسي : سيؤتى بالحلاج في عرصات القيامة ، وهو مقّيد بالسلاسل ، ذلك أنه إذا كان حرّا فسيجعل الفوضى تحلّ بالقيامة بأسرها .
وقال أحد المشايخ : قضيت ليلة حتى الصباح تحت تلك المنصّة ، وكنت أصلّي ، وحين طلع الصباح نادى هاتف : أطلعناه على سرّ من أسرارنا فأفشى سرّنا ، فهذا جزاء من يفشي سرّ الملوك .