قالوا للشيخ : ما هذا السكوت ؟ فقال : سبحان اللّه ، إنهم استغرقوا في الباطل إلى حدّ ليس لهم عنكم خبر ، ولا يبالون بكم ، فلم لا تستغرقون أنتم في الحقّ حتى لا تسمعوا أباطيلهم ؟ ثم اشتغل بنهي المنكر « 1 » .
أقول : هذا يدلّ على أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنّما يجب على من يخالط الناس ويعاشرهم ، ويطّلع على بعض أفعالهم ، وهذا لا يمكن إلّا لمن يكون في مقام الصحو ، وأمّا من يكون مستغرقا في بحر المحبّة سكران من شراب المودّة ، أو مضمحلّا عند إشراق نور الجمال وبروق الجلال ، فلا تبقى له مخالطة مع الناس ، ولا معاشرة معهم ، فمن أين له الاشتغال بالأمر والنهي ، بل ليس له نظر إلى ما سوى المحبوب ، أوليس له النظر أيضا ، وأمّا مقام النبوّة ، فلمّا كان مقام النبوّة لتكميل الناقصين المستعدّين لقبول الفيض المكمّل لهم ، ولذا صار النبيّ عليه السلام كاملا في نفسه ، مكمّلا لغيره ، وكان له جهتان : جهة التجرّد للاستفاضة من المبدأ الفياض ، وجهة التعلّق لإفاضة بعض ما أفيض عليه على ما دونه بقدر قابلياتهم ، فلو كان النبيّ عليه الصلاة والسلام دائم الاستغراق ، مستمرّ السّكر لتعطّل المقصود من إرساله ، وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ النبوة أشرف من الولاية ، لأنّ النبيّ عليه الصلاة السلام ينبغي أن يكون كاملا في نفسه ، مكمّلا لغيره ، وأمّا الوليّ غير النبيّ ، فيجب أن يكون واصلا إلى ما قدّر له من مراتب الكمال ، ولكن لا يلزم تكميل الغير ، ولذا نهاية الولاية بداية النبوة « 2 » . [ واللّه أعلم ] .
نقل أن أبا طاهر ابن الشيخ رحمهما اللّه تعالى لم يكن له هوس إلى الكتّاب في زمان الصّبا ، فقال له الشيخ في بعض الأيام : من يخبرني بقدوم الأضياف المسافرين فله عليّ ما يريد . فكان أبو طاهر يوما على السطح ، إذ رأى جماعة من المسافرين قادمين ، فأتى الشيخ ، وأخبره بقدومهم ، فقال الشيخ : ما تريد ؟
قال أبو طاهر : إرادتي أن لا أمشي إلى الكتّاب غدا . قال الشيخ : لا تمشي .
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 248 .
( 2 ) انظر الحاشية ( 2 ) صفحة 8 .