كان المطر يقلّ ، وأرادوا أن يحملوا الجنازة أيضا ، يعود المطر ويؤذيهم ، فتذكّر واحد من خواصّ المريدين ما قاله الشيخ : إنه يكون معه في الدنيا ، وفي القبر ، وفي الآخرة ، وأخبرهم بالقصّة ، فكلّ من سمع هذا المقال من الشيخ تذكّره ، وأجمعوا على أن يدفنوه في جوار الشيخ في القبة التي بنوها عليه ، وعلموا أنّ إنزال المطر ما كان إلّا لأجل كرامة الشيخ ، وتصديق وعده ، فأمروا بحفر قبر في القبة ، في جنب قبر الشيخ ، فانفتحت ثلمة في قبر الشيخ رحمه اللّه ، ونظر إليه الحفار ، ولا جرّ شيئا لا يعلمه إلّا اللّه تعالى ، فسدّ الثّلمة بمدرة ، فصاح ، وغاب عنه عقله ، حتى حملوه إلى بيته على الأكتاف ، ولم يتكلّم إلى أربعين ، ولا فتح عينيه إلى أن مات بعد الأربعين . ونقل أنّهم لما دفنوا أبا طاهر ، انقطع المطر ، وطاب الدنيا « 1 » .
نقل أن الشيخ أبا سعيد رحمه اللّه لما دنت وفاته ، جمع الأصحاب وودّعهم ، وقال : عشت ألف شهر ، والألف عدد كامل ، ولا بدّ من النقصان .
ثم إنّ جماعة من الجنّ قد استأنسوا بنا وبكلماتنا ، بعضهم يسكنون نيسابور وبعضهم بقريتنا « 2 » هذه ، فإن سمعتم صياحا وبكاء ومن دون أن تروا شخصا ، فاعلموا أنهم حضروا ، والدمع كان يجري على خديه ، ثم وصّاهم بوصيتهم ، ثم نزل من يطقه « 3 » ، وركب فرسا ، ودار في جميع المواضع التي عبد اللّه تعالى فيها ، وودّعها باكيا ، ثم رجع إلى البيت ، وصحّ بعض الأيام ، ثم توفّي إلى رحمة اللّه ، فسمعوا صوت البكاء وصياحا كثيرة ونياحة ، ولم يروا شخصا ، حتى أن أهل الميهنة كلّهم سمعوا ذلك ، فعلموا أنّهم الجنّ الذين أخبرهم الشيخ ، ثم لمّا حملوا جنازة الشيخ توقّفت في الهواء بين وقت طلوع الشمس إلى الضّحى ، فعلموا أن الجنّ أوقفوها ، ويمنعون عن الذهاب بها ، فصبروا إلى أن قضوا وطرهم ، ثم ذهبوا بها إلى المدفن ، ودفنوها . رحمه اللّه .
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 419 ، 420 .
( 2 ) كذا في الأصل ، وتقرأ : وبعضهم نفوسنا .
( 3 ) اليطق : كيس محشو بالتبن أو غيره ، يستخدم بصفة فراش . موسوعة العامية السورية .