تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 803

مساهمون:

ص٨٠٣
وأنواع ، وأصناف وأشخاص ، فيتحرّك من جهة الفكر من جنس إلى آخر ، وكذلك من صنف إلى آخر . قال أبو علي بن سينا « 1 » :
هبطت إليك من المحلّ الأرفع * ورقاء ذات تعزّز وتمنّع
وهذه الحركة الفكرية مخصوصة بالإنسان ، لا توجد في غيره من الملائكة والجنّ ، ولهذا تتفاوت مراتبهم بتفاوت أفكارهم ، ولهم ترقيات بحسبها ، بخلاف الملائكة والجنّ ، إذ لا ترقّي لهما ؛ بل هما على حالة واحدة ، من أول عمرهما إلى آخره على ما قيل . [ واللّه أعلم ] . وقال : ليس في هذا الطريق التفات إلى العاقبة والسلامة ، والخلق والرفيق والصديق ، والجنّة والنار ، والقريب والأهل والعيال ؛ بل إلى النفس ، ولا يجوز أن يكون التوجّه إلّا إلى اللّه تعالى . وقال : لا يوجد الحقّ في العمران . أقول : كأنه قصد معنى قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، عن اللّه تعالى أنه قال جلّ من قائل : « أنا عند المنكسرة قلوبهم » « 2 » الذين انكسرت قلوبهم تقطّعا عن اللذّات النفسانية ، ومنعها عن الشهوات الزائلة ، والحظوظ الفانية ، وتصفيتها عن الكدورات الجسمانية ، فتجدها خالية عمّا سوى اللّه تعالى بأسرها كالديار البلاقع ، والمواضع الخربة التي لا عمّال فيها ، فلا يسكنها قاطن ، ولا يقيم بها متوطّن ، ولأنّ السلطان جلال اللّه وجماله ، إذا أراد أن يتجلّى على قلب العارف العبد ، يغسل ما فيه من الأغيار ، ولا يترك فيه شيئا من الغبار ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
[ النمل : 34 ]
فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
[ طه : 106 - 107 ] ولا يبقى له التفات إلى أين ومتى ، ثم يتجلّى له على مبلغ حاله ، وقدر قابليّته ، وصفاء طويّته . رزقنا اللّه تعالى الترقّي إلى هذه
هامش
( 1 ) انظر وفيات الأعيان 2 / 160 . ( 2 ) تقدم تخريجه صفحة 204 الحاشية ( 4 ) .