وقال : تحيّر قوم في هذا المقام إلى مقام المعرفة بلا كيف ، ثم قنعوا بهذا التحيّر ؛ بل يسألون الزيادة فيه .
أقول : وهذا كما نقل عن بعضهم أنّه كان يقول في بعض دعائه : اللّهمّ ، زدني تحيرا فيك « 1 » . [ واللّه أعلم ] .
قال : وهؤلاء لا يعلمون أنّ القناعة بالتحيّر أيضا صارت لهم حجابا ، فلو كانت لهم بصيرة لطلبوا الخلاص عن التحيّر ليصلوا إلى بحر الحياة .
أقول : حاصل هذا الكلام أن التعلّق بشيء من الأشياء حتّى بالتحيّر فيه مانع عن الوصول إليه معرفة ؛ بل لا بدّ من رفع السترة ، وإزالة العلائق حتّى تطلع شمس المعرفة من أفق العناية ، ويضيء عالم قلب العارف إضاءة بلا زوال ، إذ هذه الشمس تنير بلا أفول ، فظهر أنّ مراده عدم التعلّق والتقيّد بمقام التحيّر ، وإلّا فلا شكّ أن التحيّر في معرفة الحقّ يقال : لا يزول أصلا ؛ بل يزداد بازدياد المعرفة على خلاف سائر المعارف ، فافهم [ فإنه ] دقيق جدا ، ولا يدركه إلّا ذو طبع سليم ، وإدراك مستقيم . [ واللّه أعلم ] .
قال : كلّما يوجد العارف والمعرفة يكون بالحقّ من الحقّ ، وهذا مقام التجريد لا التوحيد ، لأنّه في مقام التوحيد لا يوجد العارف ولا المعرفة ، إذ مع توهّم وجود العارف والمعرفة لا يكون التوحيد توحيدا ؛ بل عند إشراق نور التوحيد تضمحلّ جميع الأشياء ووجوداتها ، كما أنّ عند طلوع الشمس تتلاشى أنوار الكواكب ، وهذا سرّ لا ينكشف إلّا لذوي البصائر الذين أذابوا نفوسهم في ترقية المجاهدة ، ثم صفّوها عن الكدورات البشرية ، وخلّصوها عن الرذائل الجسمانية ، ثم حلّوها بالمعارف اليقينية ، واللّوامع الشّهودية ، والأنوار الكشفية ، والأسرار الذوقية ، وقليل ما هم ، فطوبى لهم وحسن مآب ، فليتني كنت في ممشاهم غبارا من التراب .
هامش
( 1 ) هو إشارة لقول ابن الفارض :زدني بفرط الحبّ فيك تحيّرا * وارحم حشا بلظى هواك تسعّرا