الخادم ، فأنزلهما في منزل ويكرمهما ويطعمهما إلى أن أرادا الرجوع ، فأشار الشيخ إلى أن هيّئوا لهما أسباب السفر ، وزوّدوهما ، وهو خرج معهما للتوديع ، ثم حين الفراق قال لهما خفية : أنا أنغبن فيكما لأجل الخبز والملح ، ثم أنتم تعلمون . والحال أنّهما كانا كافرين ، فأسلما في الساعة ، ورجعا مع الشيخ ، وصارا تلميذين له .
نقل أنّ أبا سعيد رحمه اللّه بعد العبادة كان يقول : اللّهمّ ، خلّص أبا سعيد عن أبي سعيد .
أقول : معناه أنّه يريد ويسأل من اللّه عزّ سلطانه أن يجعله غريقا في بحر التوحيد ، فانيا في بقائه ، بحيث لا يبقى له أثر ، ولا يسمع له خبر ، وهذا نهاية درجات الصدّيقين والأولياء ، وغاية مراتب الأصفياء ، لأنّهم لا يجتهدون ولا يجاهدون إلّا للوصول إلى هذا المقام ، والبلوغ إلى هذا المرام ، إذ ليس وراء عبّادان قرية « 1 » ، وأمّا هذا المقام فلا نهاية له ، ولا أمد ، لأنّ التوحيد لا نهاية له ، ولا يلزم له التحديد والتناهي ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .
[ واللّه أعلم ] .
نقل عنه أنّه قال : المعرفة أن يصل العبد إلى مقام ، ويتّصف بصفة لا يحجبه شيء عن الحقّ حتى إذا تأمّل في باطن الأشياء يراها فانية ، وإذا تأمّل في صفات فعله سنين لا يهتدي إلى صفات ذاته كالرماد ، فإنّه من صفات فعل النار ، ولا يهتدي من لا يعرف النار - من عرف الرماد - إلى معرفة صفات النار من الإحراق والإضاءة وغيرهما ، ولذا قالوا : لا يعرف اللّه تعالى إلّا به . يعني إذا جاءتك المعرفة منه تعالى فإنّك تعرفه حينئذ ، باقيا بلا كيف في صفاته ، لأنّ المعرفة تنعدم عند تخيل الكيف .
هامش
( 1 ) عبادان : موضع تحت البصرة ، قرب البحر الملح ، وقد ذكر المثل في مجمع الأمثال 2 / 257 .