وقال : يقول الناس : أوقاته طيبة ؛ ولكن إن حملوا ما حملناه ، لفرّوا وانهزموا .
وقال : إذا سألوا عنكم يوم القيامة : من أنتم ؟ فلا تقولوا : نحن من الصوفية ، أو من العارفين ، فإنّه دعوى ، ويطلبون منكم شاهدا على دعواكم ، وحينئذ يشتدّ الأمر ، ولكن قولوا : نحن ضعفاء مساكين ، ولنا مخاديم ، وإنّا لهم تبع ، فاسألونا عنهم ، ثم فاسعوا أن تدخلوا أنفسكم في زمرة رجل وإن لم تقدروا أن تكونوا من زمرة رجل ، فحرّكوا رأسا إذا سمعتم من أحد حديثه ؛ لتقولوا يوما : نحن من الذين يحرّكون رأسهم عند استماع حديث الحبيب ؛ لعلّكم تنجون بهذا المقدار « 1 » .
نقل أنه قال : من رآني في ابتداء حالي صار صدّيقا ، ومن رآني في الانتهاء صار زنديقا .
أقول : معناه أنّ أفعاله وحركاته وسكناته وأقواله في الابتداء كانت على وفق عقولهم ، فلا جرم أنّه من كان يراه ويتبعه في أحواله يصير صدّيقا ، وأمّا لمّا ترقّى ، وجاوز عمّا كان عليه في الابتداء ، ما كانوا يفهمون عباراته ، ولا يدركون حقيقة أحواله وأفعاله ، لأنّها كانت فوق إدراك عقولهم ، فلذلك كانوا ينكرونه ، وينسبونه إلى ما لا يليق ، ويتزندقون بذلك ، ويكفيك ناهيا هذا السرّ حكاية موسى والخضر عليهما السلام ، وما جرى بينهما ، ولولا أنّ الخضر عليه السلام كان يؤوّل لموسى عليه السلام ما رأى منه من خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار كما نطق به القرآن الكريم ، لأنكره موسى عليه السلام ، وبقي على إنكاره ، لكن زال إنكاره بتأويل الخضر عليه السلام ، والحال أنّ موسى عليه السلام كان مأمورا ، وأمّا أبو سعيد فلم يكن مأمورا لأحد ، مأمورا بمتابعته وتصديقه ، وإن ذكر تأويلا لكلّ ما كان منكرا عند الناس في ظواهر عقولهم لصدّقه قليل ، وأنكره كثير ، فزال الإشكال والارتياب . [ واللّه أعلم ] .
هامش
( 1 ) اسرار التوحيد 387 ، وبقية الخبر صفحة 343 .