ولم يترقّوا ، وذلك لأنّه منعهم عن القيام له تواضعا منه ، والذين قاموا له تواضعوا له ، والذين لم يقوموا لم يتواضعوا ، فظهر الفرق .
نقل أنّ الشيخ رحمه اللّه كان راكبا على فرس على جواد ، وعليه ثياب فاخرة ، فجاء إليه فقير ينظر إلى فرسه وأثوابه ، وتعجّب من حشمته ، فاطّلع عليه الشيخ بنور الولاية - أي بإلهام اللّه تعالى - فنزل من الفرس ، وخلع الثياب ، وكساها ذلك الفقير ، وأركبه على الفرس ، ورمى الغاشية على كتفه ، ومشى في ركاب الفقير ، فخجل الفقير عمّا فعله ، ورمى نفسه عن الفرس ، فقال الشيخ :
اعلم أن المشي والركوب عندي سواء ، ولذا يسلم لي الرّكوب على الفرس ، غير تفاوت بينه وبين غيره من المراكب وبين المشي .
أقول : قد لوّح الشيخ رحمه اللّه في هذا الكلام إلى أنّ العارف إذا وصل إلى مقام التمكّن بحيث لا يغترّ بزينة الدنيا وزخارفها ، وهي لا تصير حجابا بينه وبين اللّه ، وذلك لرسوخه في المعرفة والمحبّة والتوجّه إليه تعالى ، فلا حرج عليه حينئذ ، إذا كان له من الدنيا شيء ، إذ الدنيا كلّها والآخرة أيضا بنعيمها لا تحجبه عن اللّه ، وأمّا من لم يكن راسخا متمكّنا ؛ بل هو معتمد بعد ، ولم يبلغ المرتبة المذكورة ، فأدنى شيء ممّا سوى المقصود الأصليّ يصير حجابا ، وكلّما يكثر الالتفات إلى الدنيا وزخارفها يشتدّ التعلّق بكثف الحجاب ، ولذا يحتاج السالك في تلطيف الحجاب ورفعه إلى مجاهدة كثيرة ، ورياضة راضية ، وأمّا الذين تركوا الدنيا رأسا أولا وآخرا ، وأعرضوا عنها ، فلعدم الأمن من شرورها ، والشيخ أبو سعيد رحمه اللّه له طور خاصّ بين المشايين المشايخ ، مع اتفاق المعتقد والمنكر على ولايته وكراماته ومجاهداته وعباراته حتى لم يكن له نظير من الأولياء في المجاهدة إلّا نادرا ، وإنه رحمه اللّه لم يدّخر شيئا للغد ، ولم يملك ملكا ولا عقارا ؛ بل كان تاركا ، جالسا على باب التوكّل ، واللّه تبارك وتعالى قد أفاض عليه إحسانه ، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، وذلك لم يكن قادحا في ولايته ، ولا مفسدا لمقام توكّله . [ واللّه أعلم ] .
نقل أنّه لمّا اشتهرت أحواله بين الناس ، وانتشر صيته في الأطراف ، أرسل
تذكرة الأولياء — صفحة 787
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٧٨٧