الأصحاب قطف عناقيد ولفّها في خريقة له ، إرادة أن يذهب بها إلى بيته ، ولبسها هناك ، ثم لمّا اطّلع الشيخ من البستان اعتذر إلى الفقير ، وقال : أعطاك الخير والبركة . قال الفقير : يا شيخ ، كيف يعطي البركة ولم يبق من العنب شيء ؟ ! قال الشيخ : نعم ، بقي شيء يكفيك . فرجع الفقير إلى الكرم ، ودار فيه ، فلم يجد شيئا ، فحزن ولم يرجع إلى الكرم إلّا في الربيع ، لأنّه ذهب إليه للعمارة والإصلاح ، فصادف الحديقة وفيها العناقيد ما تغيّرت قطّ ، كأنّها قطفت ذلك اليوم ، وهي طريّة لطيفة عليها الغبار الذي يكون على العنب ، فأخذها وأهداها السلطان ، فأعجبته ، وملأ الطبق من الدراهم والدنانير ، وردّها على الفقير ، ففرح وعلم أنّه ما كان إلّا ببركة دعاء الشيخ وكراماته ، فأخذها ، وجاء إلى الشيخ بعشرة دنانير ، واعتذر إليه .
نقل أنه كان في زمان الشيخ أبي سعيد رجل مرتاض ، كثير الرياضة والخلوة ، وكان منكرا للشيخ وحالاته ، وما كان يؤكل في مجلسه من أنواع الأطعمة اللذيذة الشهية ، فجاء إلى الشيخ ، وقال : أريد أن أختلي معك أربعين يوما وليلة - كما هو المتعارف بينهم - فقال الشيخ رحمه اللّه : يكون مباركا .
وذلك الرجل كان يأكل قليلا على عادة أصحاب الأربعين ، والشيخ ما أكل في تلك الأيام ، ولا ذاق قطّ ، والخادم كان يقدّم الأطعمة في اليوم والليلة إلى الفقراء ، والرجل ينظر إليها ، والشيخ فارغ [ البال ] منها ، وكان رحمه اللّه يسمع من غير ضعف في أعضائه ، والرجل صار ضعيفا جدا ، والشيخ كان يسمن ، فندم الرجل ، ولا ينفعه الندم ، ولمّا تمّت مدة أربعين ، قال الشيخ رحمه اللّه :
هذه الأربعون كانت على وفق اختيارك ورضائك ، ولكن أرجو منك أن تقعد معي أربعين يوما أخرى على ما أختاره . قال الرجل : كيف هذا ؟ قال الشيخ رحمه اللّه : تأكل كلّ يوم طعاما كثيرا ، ولا تدخل المبرز قطّ إلى تمام المدة .
فقبل الرجل ، والشيخ كان يأكل أنواعا من الأطعمة ، وما كان يحتاج إلى الدخول في المبرز ، والرجل في اليوم الأول احتاج ، حتى انفتل على نفسه ، وما أطاق ، فأذن له الشيخ ليدخل المبرز ، وهو على تلك الحالة استمرّ إلى تمام
تذكرة الأولياء — صفحة 774
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٧٧٤