نقل أن الشيخ أبا سعيد أرسل خادمه إلى والي المدينة ، وطلب منه شيئا يكفي الجماعة يوما ، والوالي كان منكر الشيخ ، ومع ذلك كان ظالما ، ولمّا وصل إليه الخادم كان يضرب رجلا ضربا عنيفا ، وأخذ منه كيسا من الدراهم بالقوة والتعدّي ، والخادم أدّى الرسالة إليه ، وهو أطال لسانه في حقّه ، ثم رمى ذلك الكيس إليه ، وقال : قل لشيخك : إنّما أخذته عن هذا الرجل بالظّلم والضرب بالعصا . فأخذه الخادم ، وجاء به إلى الشيخ ، فأمره الشيخ بأن ينفقه على الجماعة - يعني يهيّئ به طعاما - فالخادم اشتغل بتحصيل ما أمر به الشيخ ، وطبخ طعاما ، وقدّمه إلى الشيخ وأصحابه ، فالشيخ شرع في الأكل بطيبة القلب ، والأصحاب وافقوه بالكرامة والإنكار ، لأنّ ثمن الطعام كان مأخوذا عن مسلم بالظلم ، وخفي عليهم سرّ ذلك .
ثم إن الشيخ رحمه اللّه في اليوم الثاني كان مشغولا بالوعظ ، إذ جاء الرجل الذي أخذ الكيس منه بالغصب ، وتضرّع عند الشيخ ، وبكى ، وقال : إنّي تبت وندمت على ما صدر منّي من الخيانة ، فلا جرم أنّي حملت ما جرى عليّ من الضرب والإيذاء ، فأرجو من ألطافك أن تجعلني في حلّ . فقال الشيخ : قل مع الجماعة الذين أنكروا عليّ . فقال الرجل : إنّ أبي وصّاني أن أوصل إلى الشيخ الدّراهم التي في ذلك الكيس بعينه ، وقال : هي وصية للشيخ وجماعته ، والطمع غلبني ، وتوانيت في ذلك ، وخالفت وصية الوالد ، ثم إن الوالي قد اتّهمني بأمر لم يصدر عنّي ، وضربني وآذاني ، وأخذ منّي ذلك الكيس ، وكنت حاضرا ، إذ سلّم الدراهم بعينها إلى خادم الشيخ ، ووصل الحقّ لمستحقّه ، فقال للجماعة : ما قلت لكم لا يصل إلينا إلّا شيء يكون حلالا ! ؟
ثم نقل أن الشيخ لم يطلع عن خلوته خمسة عشر يوما ، ثم طلع ، فسألوه عن ذلك ، [ فقال ] : عاتبني النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : يا أبا سعيد ، وإن كان نظرك صحيحا في الأمور ، ولكن لا تعبر عن الظاهر ؛ فإنّ من يسمع أنّك تقبل المال المأخوذ ظلما ، وتقبله من الوالي المشهور بالعدوان يتّهمك ويفسد فيك عقائد المسلمين ، وهذا يضرّهم في الواقع ، ولا يضرّك ، ولكن لا تفتح عليك باب
تذكرة الأولياء — صفحة 771
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٧٧١