الثالثة كذلك ، وهكذا إلى الكرسيّ والعرش ، ثم قال : فانظر إلى وجودك ، وإنّك ماذا تكون من هذه الذرة ؟ وما نسبتك إلى هذه الذرة ، وهل لك مقدار أو اعتبار في هذه الذرّة ؟ أفلا يناسب على هذا أن لا يضحك عليك ، وتعرف قدرك ، ولا تغفل عن قيمتك . [ واللّه أعلم ] .
نقل عن خادم الشيخ أنه قال : اجتمع علينا دين كثير ، ولم يكن لنا شيء نوفّي به الدّين ، فجاء شخص إلى الشيخ بمئة دينار ، قال الخادم : فدعاني الشيخ ، وناولني المئة ، وأمرني بأن أمشي إلى المسجد الفلاني ، وهناك شيخ هرم أسلّم ذلك إليه ، فمشيت إلى المسجد ، وصادفت فيه رجلا هرما طنبوريا ، ومعه طنبور « 1 » ، وهو نائم ، والطنبور تحت رأسه ، فنبّهته ، وأعطيته الدنانير ، فأخذها وبكى ، وجاء معي إلى الشيخ ، وقال : أهلي أخرجوني من البيت ، ولا يطعموني ، والناس أعرضوا عنّي ، وتلاميذي تركوني ، وكلّ ذلك لأجل التّهم ، فدخلت ذلك المسجد ، وقلت : إلهي ، أهلي وعيالي أعرضوا عنّي ، وتلاميذي أعرضوا عنّي ، والناس لا يلتفتون إليّ ، ولا يدعونني إليهم في مجالسهم ، وأنا زرتك الليلة في بيتك ، ولك أغنّي ، لعلك تطعمني ، وهكذا إلى السحر كنت أضرب الطنبور وأغنّي وأبكي ، حتى أخذني النوم ، فانتبهت ، ووصل إليّ هذه الدراهم . وتاب على يد الشيخ ، وطاب حاله ، ثم قال الشيخ رحمه اللّه : يا فلان ، إنّ اللّه تعالى لم يتركك ضائعا ، وأنت على ما كنت ، والآن أيضا لا يتركك ضائعا ، فتوجّه إليه ، واعرض عليه حوائجك ، واصرف عليك الآن هذه الدراهم ، ثم هو يقال لا ينساك ، ثم قال للخادم : لم يغبن أحد مع اللّه على أيّ حال يكون « 2 » .
نقل أنّ فقيرا كان له كرم ، فدعا الشيخ إليه ، والشيخ بعد الامتناع أجابه ، وتبعه مع أصحابه ، وأكلوا ما كان فيه من العنب ، إذ كان قليلا ، وصوفيّ من
هامش
( 1 ) الطّنبور : من آلات الطرب ذوات الأوتار . فارسي معرب دبنه برّه . معجم متن اللغة
( 2 ) أسرار التوحيد 130 ، 131 .