التّهمة ، ولا تفتح بابا أنا أغلقته بيدي . قال : كنت أعتذر إليه عليه السلام في هذه الأيام حتى قبل معذرتي ، وارتفع الغبار « 1 » .
نقل أن تاجرا أرسل إلى الشيخ حملا من العود ، وألف دينار ، فأشار الشيخ رحمه اللّه إلى الخادم بأن يشعل العود في التنّور ، وصرف الألف على دعوة ، وكان في المدينة محتسبا لا يبالي عن أحد ، فسمع ، ودخل على الشيخ في الغضب ، ورأى شموعا مشعولة بالنهار ، فقال : ما هذا الإسراف ؟ فقال الشيخ رحمه اللّه : صرف ألف دينار وأكثر في سبيل اللّه تعالى ليس بإسراف ، وصرف درهم ؛ بل أقل على النّفس إسراف .
أقول : نقل أن شخصا من المعارضين للإمام المطّلبي الشافعي رحمه اللّه قال له في أثناء المناظرة : لا خير في السرف . فأجابه الشافعي رحمه اللّه وقال :
لا إسراف في الخير . [ واللّه أعلم ] .
ثم قال المحتسب : وما تقول في هذا الشموع ، أليست من الإسراف ؟ قال :
لا ، إذ ما يكون للّه ليس بإسراف ، وأمر بإطفائه . فقام المحتسب بنفسه وشرع في إطفائها ، فكلّما كان يطفئ شمعا يشتعل الآخر ، حتى عجز في أمره ، ووقعت النار آخر الأمر في سباله « 2 » ولحيته ، واحترقت ، والشموع بعد مشعولة مضيئة ، فندم المحتسب وتاب ، ورجع .
ثم جاء إليه محتسب آخر ، وأنكر عليه ، فقال الشيخ : هذا الذي تبصر شيء قليل لا يليق به أن يذكره أحد ، لأن اللّه تعالى سمّى متاع الدّنيا كلّه قليلا ، حيث قال عزّ من قائل :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
[ النساء : 77 ] وهذا أقلّ من ذلك القليل « 3 » .
أقول : نقل أنّ شخصا من أصحاب القلوب قال لمتكبّر : إنّ الأرض بما فيها وعليها من الجبال والأشجار والنبات ، والمعادن والحيوان وغيرها بالنسبة إلى سماء الدنيا كذرّة ، والسماء الدّنيا بالنسبة إلى السماء الثانية هكذا ، والثانية إلى
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 135 ، 136 .
( 2 ) السّبلة : طرف الشارب من الشعر .
( 3 ) انظر أسرار التوحيد 121 .