ووصّاهم أن يرسلوهما إليه ، فجاء جماعة من خدم القاضي بالخروفين المشويين قاصدين لصحبة الشيخ والقاضي ، إذ استقبلهم جماعة من الأتراك الأجلاف ، وأخذوا منهم الخروفين بالقوة ، وقطعوا وأكلوا ، والحال أنّ المأخوذ لم يكن إلّا الحرام منهما ، وأوصلوا الآخر إلى مجلس الشيخ ، ووضعوه بين يديه ، ونظر القاضي ، فإذا هو الحلال لأنّه قد أعلمهما ليعرف الحلال من الحرام ، فنظر في الخدم نظر الغضبان ، فقال الشيخ : يا قاضي ، لا تشوّش بالك ، فإنّ الكلاب قد أكلوا الجيفة ، والحلال بقي لمن لا يأكل إلّا الحلال « 1 » .
ونقل أنّ بعض الأيام غار اللحم في الخانقاه الشيخ حتى أنّهم ما أكلوا اللحم مذ شهر ، إذ لم يكن لهم ثمن اللحم في تلك المدة ، فاتّفق أن جاء لزيارة الشيخ فتى من أصحاب الثروة ، فقال له الشيخ أن يعطي دينارا للخدّام أن يذهب إلى الموضع الفلاني ، والسوق الفلاني ، ويشتري لحم الضأن الذي ذبحه القصّاب الفلاني ، ويفرّقه على الكلاب ، فذهب الخادم ، وامتثل أمر الشيخ ، ورجع ، قال الخادم : ولكن أنكرت في نفسي على الشيخ ؛ لأنّ الجماعة ما أكلوا اللحم في شهر أو أكثر ، واللحم اللطيف الضائن يطعمه للكلاب ! والقصّاب لما رأى هذا الحال جاء إلى الشيخ يتضرّع ويبكي ، ثم تاب على يده ورجع ، قال الخادم :
قلت للشيخ : بيّن لي هذا السرّ الغريب ، إذ لم يبق إليّ اصطبار . قال الشيخ :
هذا القصاب يربّي ويداري هذا الضأن من أربعة أشهر ، ويسمّنه ، فاتفق أن جاءت البارحة [ جائحة أماتت الضأن ] وكان سمينا « 2 » ، فلم يوافقه قلبه في أن يرميه في المزابل ، وأنا ما جوّزت أن يأكله المسلمون ، فسمع الفتى هذا الكلام ، وذهب إلى السوق ، واشترى لي غنما آخر ، وجاء بها إلى الشيخ ، وشكر اللّه تعالى « 3 » .
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 126 .
( 2 ) كذا الأصل ، وما بين معقوفين للتوضيح .
( 3 ) أسرار التوحيد 133 ، 134 .