فسلّم عليه منّي . ففرح الرجل ، وقال : أرسلني الشيخ إلى وليّ من أولياء اللّه تعالى . فلمّا وصل إلى ذلك الموضع سمع طقطقة وصوتا هائلا من جانب الجبل ، نظر ، فإذا ثعبان عظيمة سوداء ، ما رأى مثلها قطّ أحد تنزل من الجبل ، فرعب رعبا عظيما ، واسترخت مفاصيله ، وضعفت أعضاؤه ، وزال عقله ، ووقع على الصخرة مغمى عليه من الخوف ، فلمّا أفاق أبصر الثعبان قد وضعت رأسها عند رأسه ، فقام بأيّ حال كان ، وقال : إنّ الشيخ يقرئك السلام .
فتمرّغت الثعبان ، وجرى الدمع من عينيها ، ثم رجعت إلى مكانها ، والفقير أيضا رجع خائفا متغيّرا لونه ، رخوة أعضاؤه ، ولمّا شرع في الرجوع ، سمع مسامير متاعه ، وتشوّش منه ، فقعد ونزع المسامير كلّها ، ثم جاء إلى الشيخ هيّنا لينا ، وقال الأصحاب : وصل إلى شخص قد هذّبه في ساعة مقدار ما كان يحصل له في عمر . ثم هو أخبر الشيخ والجماعة ما رأى ، وتعجّب الأصحاب عن هذا التدبير ، ثم سألوا الشيخ حال الثعبان ، فقال رحمه اللّه : صاحبتني سبع سنين ، وحصلت بيننا فتوح كثيرة « 1 » .
نقل أن الشيخ رحمه اللّه كان له تلميذ آخر غليظ الطبع ، سيّىء الأدب ، ولم يكن يتأدّب بالتأديب والتعلّم ، فأرسله الشيخ نوبة إلى جماعة من الأتراك في شغل ، فذهب إليهم ، وكان يحدّثهم بالعنف والقهر كما كان ، فانغاظوا منه ، وضربوه ضربا قويا حتّى لان ، وصار متواضعا مسكينا ، فرجع على هذه الحالة إلى الشيخ ، فلمّا رآه الشيخ ، تبسّم ، وقال : لم يكن له علاج إلّا هذا ، وهذا يسمى عصا الطريقة .
نقل أنّ القاضي الصاعد الذي كان قاضيا بنيسابور ، كان منكرا للشيخ ، ثم سمع أنّ الشيخ قال : نحن ما نأكل إلّا الحلال ، وإن امتلأ العالم من الحرام مثلا . فأراد القاضي أن يمتحنه ، فأمر أهله بأن يشووا خروفين ، أحدهما من الحلال الخالص ، والآخر من الحرام المحض ، وهو ذهب إلى الشيخ ،
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 122 وما بعدها .