واجتمعت جماعة منهم فيه ، فقبل الشيخ أبو سعيد كلام الإمام ، وقال : يجب علينا امتثال أمر المشايخ وموافقتهم ، وثنى عنان الفرس نحو الدير ، وذهب إليه ، ودخله ، فتعجّب النصارى عن هذه الحركة ، واجتمعوا عليه ، ثم نظر الشيخ رحمه اللّه إلى الحائط ، فأبصر صورة عيسى عليه السلام ومريم عليها السلام منقوشة عليه ، فقال :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] ثم قال للصورتين : إن كان دين محمّد عليه السلام حقّا ، فاسجدا للّه . فوقعت الصورتان على الأرض مستقبلتين للقبلة ، فتحيّرت النصارى ، وقطع أربعون منهم الزّنانير ، وآمنوا باللّه على يد الشيخ ، وتابوا ، ثم التفت إلى الأصحاب وقال : من يقبل كلام المشايخ يؤول إلى مثل ما رأيتم ، إذ لم يكن هذا الأمر إلّا ببركة إشارة ذلك الشيخ . قال هذا الكلام ، ورجع إلى الخانقاه ومعه الجماعة الذين آمنوا ، ثم وصل الخبر إلى الإمام أبي الحسن رحمه اللّه من أوّله إلى آخره ، فحصل للإمام حالة ، وأشار إلى الخادم ليحضر محفّة ، فجلس عليها وذلك لضعفه من الهرم ، وذهب إلى الشيخ أبي سعيد زائرا له ، وحين وصل إلى باب الخانقاه خرج من المحفّة ، وتوجّه إلى الشيخ مضطجعا على الجنب إكراما واحتراما للشيخ ، والشيخ أيضا أكرمه وأعزّه ، وتاب الإمام عن يد الشيخ ، ورجع عن الإنكار ، وصار مريدا للشيخ ، وطاب وقته ، وحسن حاله ، وما ذاك إلّا ببركة حلم الشيخ أبي سعيد نوّر اللّه مرقده « 1 » .
ونقل أن الشيخ أبا سعيد رحمه اللّه كان له مريد جبليّ غليظ الطبع ، وكان له صول « 2 » كثير المسامير ، عند دخوله في الخانقاه وخروجه يطقطق ويشوّش على الصوفية ، وهم كانوا يتأذّون منه ، حتى أنّ الشيخ طلبه نوبة ، وأمره بالرّواح إلى واد في جبل عرفة ، وذكر له علامة ، وقال في الموضع الفلاني من الوادي صخرة كبيرة ، وينبع من تحتها ماء ، فإذا وصلت إليها توضّأ أولا ، وصلّ على الصخرة ركعتين أو أكثر ، ثم توقّف ساعة ، فيأتي إليك شخص من أصدقائي ،
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 116 وما بعدها .
( 2 ) الصول جمعه أصوال : بابوج ، ضرب من الأحذية . تكملة المعاجم العربية .