يوافقك في جفائي وإيذائي ؟ قال الشيخ : إنّك كنت منقطعا عن الخلق والأصحاب كلّهم ، وبقيت معتمدا عليّ ، وأنا قدرت لك حجابا بينك وبين الخلق ، وما كان بقي لك حجاب سوى أبي سعيد ، فلا جرم أنّي فعلت معك ما فعلت ليرتفع هذا الحجاب أيضا ، والحال أنه ارتفع ، ووصلت إلى المقصود ، ونحن جئنا إليك نهنيك ، بارك اللّه لك في وصلك إلى مقصودك ، وجعله لك مباركا ، فقم معنا ، رزقنا اللّه عيشة السعداء .
نقل عن الحسن المؤدب « 1 » الذي هو من خواصّ خدّام الشيخ أبي سعيد رحمه اللّه أنه قال : كنت بنيسابور تاجرا ، فسمعت صيت الشيخ ، فذهبت إليه ، فلمّا رفع عليّ نظره قال : تعال تعال ، فإنّ لي معك أشغالا . والحال أنّي لم أعرف مقصوده ، ولا فهمت قصده ، وكنت منكرا للصوفية ، ثم إن الشيخ رحمه اللّه في آخر الصحبة طلب لفقير ثوبا ، فوقع في خاطري أن أعطيه عمامتي ، ثم قلت في نفسي : إنّها أهديت إلى من مدينة آمل ، وقيمتها عشرة دنانير ، فلأجل هذا أمسكت ، ثم نوبة أخرى حدّث الشيخ مثل الأول ، فوقع أيضا في قلبي أن أسمح بالعمامة ، ثم ندمت ، وهكذا ثالثا ورابعا ، فقال شخص من الحاضرين وكان قاعدا في جنبي : يا شيخ ، هل اللّه تعالى يكلّم أحدا ؟
فقال : نعم ، قد كلّم هذا الرجل الذي في جنبك في عمامة طبرية ، وهو يقول :
ما أجد في نفسي أن أسمح بها ، لأنّ قيمتها عشرة دنانير ، وأهديت لي من آمل .
أقول : المراد من كلام اللّه تعالى في هذا المقام إنّما هو الإلهام . يعني ألهم اللّه تعالى في قلبه ليجود بالعمامة ، وهو يمتنع لما يلقى الشيطان في نفسه ما يلقي . [ واللّه أعلم ] .
قال الحسن رحمه : فلمّا سمعت من الشيخ هذا الكلام وقعت عليّ رجفة ، وأعطيت العمامة ، وزال الإنكار من قلبي ، وأتيت بمالي كلّه إلى الشيخ ، وهو
هامش
( 1 ) في الأصل : الحسن المؤذن ، والمثبت من أسرار التوحيد 83 ، وانظر الفهرس 454 .