لذيذة ، والشيخ قد وصّى المطبخ والأصحاب أن لا يطعموه شيئا ، ولا يدعوه بينهم ، فجاء ذلك الفتى من السؤال ، وما كان معه قليل ولا كثير ، كان جائعا من ثلاثة أيام ولياليهن ، فدخل المطبخ ، ولم يطعمه الطّباخ شيئا ، وأخرجه منه ، وحين قدّموا الطعام إلى الأصحاب والجماعة دخل بينهم ، ما تركوه أن يجلس معهم ، ولا أطعموه شيئا ، ولا نظر إليه واحد من الشيخ والجماعة ، وهو واقف ينظر إليهم ، فبعد الطعام نظر إليه الشيخ وقال : يا فلان ، تصدّ عنّا وتشوّش علينا ، ولا تستحي ، من أنت ؟ من أين أنت ؟ ثم أشار إلى بعض الحاضرين ، وقال : اطردوا هذا المشؤوم من هذا المجلس ، وإن دخل في الخانقاه بعد اليوم نفعل به شيئا لم يفعل بأحد . فقام شخص ، وهيّجه من مكانه ، وأخرجه من المجلس ، وطرده من الخانقاه ، وأغلق الباب ، فخرج الفتى في غاية الجوع والعجز والمذلّة ، والدمع يجري على صفحتي خدّيه ، ولم يبق له أمل ولا رجاء من المخلوقين ، ولا مال ولا منصب ولا جاه ، وسمع من الشيخ والجماعة ما سمع ، فدخل في مسجد خراب ، بقلب جريح ، وعين قريح ، ودمع مسفوح ، ووضع خدّه على التراب ، وتضرّع إلى اللّه تعالى ، وتوجّه إليه ، وقال : إلهي ، تعلم حالي ومذلّتي ، وفقري وفاقتي ، وضراعتي وحاجتي ، وتنظر إليّ ، وتعلم أنّ عبادك كيف طردوني ، وليس لي أحد سواك أتضرّع إليه ، وأعرض حاجتي إليه ، وليس لي مال ولا عزّ ، بل أنا عبدك في سوء الحال وغاية البلبال ، وأنت قادر حكيم ، تعزّ من تشاء ، وتذلّ من تشاء ، وتعطي من تشاء ، وتمنع من تشاء ، بيدك الخير إنّك على كلّ شيء قدير . وكان يبكي ويتضرّع إلى [ أن ] ندّى أرض المسجد من دموعه ، فاللّه تبارك وتعالى نظر إليه نظر الرحمة ، وفتح على قلبه أبوابا إلى مقصوده ، وأعطاه ما كان يتمنّى ، والشيخ أبو سعيد رحمه اللّه جالس بين الأصحاب في الخانقاه ، فقام والجماعة معه ، ومعهم جمع ، وذهب إلى داخل ذلك المسجد ، فأبصر الفتى واضعا خدّه على التراب باكيا متضرّعا ، فرفع رأسه ، ورأى الشيخ والجماعة معه ، فقال : يا شيخ ، لم تشوّشني ؟ فقال الشيخ :
يا فلان ، تريد أن تأكل المائدة وحدك ؟ فقال : يا شيخ ، كيف كان قلبك الشريف
تذكرة الأولياء — صفحة 758
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٧٥٨