نفسي إلى أن حان وقت العصر ، فإذا أنا أراه جائيا إلى العين ، وقد حصلت لي جرأة ، فقمت إليه ، وتشبّثت بأذياله ، وقلت : يا شيخ ، أنا رجل تاجر من مدينة نيسابور ، وقد تخلّفت من القافلة لنوم غلبني ، وكم يوم أنا ضائع في هذه البادية ! وهو مطرق رأسه ، ثم قام وأمسك بيدي ، وتماشينا خطوات ، فرأيت أسدا عظيما طلع من البادية ، وجاء إليه وخدمه ، وتبصبص عنده ، ووقف ، فوضع فاه على أذنه ، وقال معه شيئا ، ثم أركبني عليه ، ووضع شعور رقبته بيدي ، وأمرني بإمساكها ، والاستمساك عليه ، وقال : أينما يقف الأسد انزل .
وأمرني بإغماض العين ، ففعلت كما أمر ، وسار إلى ساعة ثم وقف ، فنزلت ، ورجع الأسد ، فمشيت ساعة ، فرأيت القافلة نازلة ، ففرحت فرحا شديدا ، وذهبت معهم إلى بخارى ، ثم رجعت إلى نيسابور ، ولازمت دكّاني ، ومضى عليّ سنون ، ثم اتّفق أن كنت عابرا ، فرأيت جماعة مجتمعة ، وسألت عنهم ، فقالوا : إن الشيخ أبا سعيد جاء ، ويعظ الناس . فدخلت بين الجماعة ، ونظرت إليه ، فإذا هو الرجل الذي صادفته عند مضيعي في البادية ، وأركبني على الأسد ، وأنا في هذا التعجّب ، فنظر إلي وقال : يا فلان ، أما سمعت أن ما يروى في البوادي لا يذكر في العمران . فشهقت شهقة ، وغاب عنّي عقلي ، فما استفقت إلّا وقد تمّ المجلس ، وعندي شخص من الفقراء يمسح وجهي ، فذهب بي إليه ، وأنا تمرّغت بين يديه ، وقبّلت رجليه ، وهو راعاني ، وعهدت بكتمان هذا السرّ ما عاش الشيخ رحمه اللّه « 1 » .
نقل أنه كانت بنيسابور امرأة جليلة عابدة زاهدة « 2 » ، وهي من أهل بيت الأكابر ، وكانت مدة أربعين سنة ملازمة لبيتها بحيث ما طلعت منه قطّ ، ولا خطت خطوة خارج البيت ، ولها خادمة تقضي حوائج لها ، وتدخل عليها إلى أن جاء الشيخ [ فقالت لمربيتها يوما : انهضي واذهبي إلى مجلس الشيخ ] « 3 »
هامش
( 1 ) انظر أسرار التوحيد 84 وما بعدها .
( 2 ) اسمها ايشني نيلي : أسرار التوحيد 95 .
( 3 ) ما بين معقوفين مستدرك في أسرار التوحيد 95 .