معي ، فأمرتها بأن تشدّ رجلي ، ففعلت ، وعلّقتني منكوسا ، وخرجت من الخانقاه ، وأغلقت الباب ، وأنا شرعت أقرأ القرآن ، والدم بدل الدمع أخذ يجري على وجهي ، وكادت العين تنقلع ، قلت : نفسي ، لا أريد العين ، بل إذا حصل المقصود ، فأفديه بألف عين ، ثم جرى الدم من عيني على خدّي حتى وصل إلى الأرض ، وأنا انتهيت في القراءة إلى قوله تعالى :
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 137 ] فما رأيت إلّا أن انفتحت أبواب المراد ، ووضعوا نقد المقصود في حجري ، فصحت : أمّ أبي طاهر ، فأتت لترى « 1 » .
وقال رحمه اللّه : طلعت جبلا نوبة ، وجلست على صخرة في شفير واد عميق ، ما كان أحد يستجري أن ينظر من العلوّ إلى السفل ، وألزمت نفسي بأن أقرأ القرآن من أوّله إلى آخره على تلك الصخرة ، وخوّفتها من النوم مخافة الوقوع ، ثم في السجدة غلبني النوم ، فإنّ اللّه تعالى لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، فما وجدتني إلّا واقعا من الصخرة بين السماء والأرض ، فاستغثت اللّه تعالى ، فأغاثني وردّني إلى الصخرة قبل أن أنزل إلى الأرض « 2 » .
نقل أنه قال رحمه اللّه : إنّي أوجبت على نفسي ثمانية عشر شيئا في ابتداء الحال ، ودفعت عنّي ثمانية عشر ألف عالم : الأول : الصوم على الدوام ، والثاني : الاجتناب عن المعاصي والمناهي والآثام ، والثالث : الذّكر ، في الليالي والأيام ، والرابع : السهر الدائم والناس نيام ، والخامس : أن لا أتّكىء على الأرض ولا أنام إلّا قاعدا إن غلبني النوم ، وأن لا أجلس إلّا مستقبل القبلة ، ولا أنظر إلى أمرد ، ولا أنظر في الصلاة إلى المحراب ، ولا أسأل عن أحد شيئا ، وأكون قانعا في مقام التسليم ، وأواظب على الجلوس في المسجد ، وأن أختم القرآن في كلّ يوم وليلة ، وأكون أعمى أصمّ أخرس ، سمّوني مجنونا واحتملته ، وما بلغني عن النبيّ عليه السلام من العبادة والطاعة سعيت في أن
هامش
( 1 ) انظر أسرار التوحيد 52 .
( 2 ) أسرار التوحيد 46 .