ما لم يتمّ هذا الطير الأرزن كلّه لا وصول لك إلى المقصود ، وأنت في جميع هذه المدة تبقى في هذا الأحزان ، لهان الأمر ، وطاب الشأن « 1 » . قال أبو سعيد :
ارتفع عنّي القبض ، وانحلّت العقدة ، ثم وصلت إلى الشيخ أبي العباس القصاب بآمل ، ومكثت عنده مدّة ، وأعطاني أبو العباس رحمه اللّه مخزنا في مقابلة بيته ، وكان أبو العباس في صومعته مشغولا بالليل والنهار بالعبادة ، وأنا في مخزني مشغول بالمجاهدة ، وكنت أراعي الباب وقت دخول الشيخ أبي العباس وخروجه ، فاتّفق للشيخ أبي العباس أن افتصد وانحلّ الشدّ بالليل ، وانفتح الفصد ، وتلّوث ثوبه بالدم ، فخرج الشيخ في وسط الليل حتى قصد غسل الدم ، وكنت مراقبا له ، فأسرعت إليه ، وغسلت الدّم من يده ، وشددت موضع الجراحة بخرقة نظيفة ، وخلع الثوب الذي كان عليه ، ولبس خريقتي ، وأنا بالليل غسلت خرقته ونشّفتها ، وجئت بها إلى الشيخ ، فأشار إليّ بأن ألبسها ، فأخذها بيده وألبسني ، فلمّا أصبحنا رأى الأصحاب خرقة الشيخ عليّ ، وخرقتي على الشيخ ، فتعجّبوا في هذا الشأن ، فقال الشيخ : لا تتعجّبوا ، فإنّ البارحة نثرت عليّ إنعامات ، وجميعها صار نصيبا لهذا الفتى الميهني - أي المنسوب إلى ميهنة - ثم أشار إليّ بالرّجوع ، وقال : سينصب هذا العلم على بابك . فرجعت بحكمة إشارة الشيخ بفتوح كثيرة ، ولمّا وصلت إلى ميهنة توفّي الشيخ أبو العباس رحمه اللّه « 2 » .
نقل أن أبا سعيد رحمه اللّه كان في غاية المجاهدة والرياضة إلى أربعين سنة حتى أنه تأهّل - أي تزوّج - وولد له ابن سماه أبا طاهر ، وهو في حالة عجيبة من الرياضة والاجتهاد .
نقل أنه قال : جاوز الاجتهاد حدّه ، ولم يكن مقصودي يحصل ، ولا الحجاب كما ينبغي يرتفع ، حتى دخلت ليلا في الخانقاه ، وأم أبي طاهر
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، وفي أسرار التوحيد 57 : وستظلّ تكابد ما أنت عليه من ألم ووجد ، فإنّ هذا الأمر سرعان ما ينتهي .
( 2 ) أسرار التوحيد 50 - 68 .