سنين ، وسدّيت أذني ، ولا أزال أقول : ( اللّه ) ( اللّه ) فكلّما تغيّرني غفلة ، كان يظهر عليّ شخص أسود من المحراب ، وبيده حربة في غاية المهابة ، ويصيح عليّ ويقول : ( اللّه ) ( اللّه ) إلى أن سمعت من جميع ذرّات وجودي أنّها تقول :
( اللّه ) ، ( اللّه ) « 1 » .
نقل أنه كان رحمه اللّه له قميص في تلك المدة ، وكلّما كان ينقطع كان يرقّعه ، حتى ثقل وصار وزنه فوق عشرة أرطال ، وكان صائما ، ويفطر على كسيرة خبز يابس ، وكان لا ينام ليلا ولا نهارا ، ويغتسل كلّ صلاة ، ثم كان يدخل بعض الصحارى ، ويصبح شهرا ، ويفطر على الحشيش ، وأبوه يمشي في طلبه ، ويردّه إلى البيت « 2 » .
قال أبوه : كنت أقفل الباب ، وأنتظره لينام ، فحين كان يتّكىء كنت أنام ، وعند استيقاظي في جنح الليل ، ما كنت أجده في مكانه ، ولا في البيت ، الباب مقفول كما كان ، لكن يجيء في السحر ، ويدخل البيت ، وينزل في زاوية ، فتبعته في بعض الليالي إلى أن دخل مسجدا خرابا ، وأغلق الباب من الداخل ، وكان فيه بئر ، فأخذ حبلا ، وشدّ أحد طرفيه على عود ، ووضع العود على رأس البئر عرضا ، وشدّ الطرف الآخر على رجليه ، ودلّى نفسه في البئر معكوسا ، وشرع يقرأ القرآن إلى أن ختمه ، وأنا على الباب ، أنظر من الشقّ ، ثم خرج ، وأنا رجعت إلى البيت ، ودخلت الفراش على العادة ، فجاء أبو سعيد كما كان ، وهكذا كان يفعل ليلا على ليل « 3 » .
نقل أنه رحمه اللّه كان يخدم الفقراء ، ويكنس المبارز ، ويتكدّى ، ويصرف على الفقراء والمساكين كلّ ذلك لأجل كسر النفس ، وإذا يظهر له إشكال كان يمشي معلّقا بين الهواء والأرض إلى سرخس ، ويعرضه على الشيخ
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 43 .
( 2 ) أسرار التوحيد 45 .
( 3 ) أسرار التوحيد 48 .