فقال له أبوه : لماذا كتبت ( اللّه ) على الحيطان ؟ فقال أبو سعيد رحمه اللّه لأبيه :
أنت صوّرت حيطان بيتك بصورة سلطانك ، وأنا نقشت حيطان بيتي باسم سلطاني . فلمّا سمع أبوه كلامه ، ندم على ما فعل ، وشرع بمحو الصور عن الحيطان ، فمحاها ، وأحبّ أبا سعيد أقوى ممّا كان يحبّه « 1 » .
نقل عن أبي سعيد رحمه اللّه أنه قال في أيام الصّبا : إذ كنت مشغولا بتعلّم القرآن ، فذهب بي أبي يوما من أيام الجمعة إلى الجامع ، فالتقانا في الطريق الشيخ أبو القاسم بن بشر ، وكان من كبار مشايخ العصر ، فقال لأبي : كنت أرى العرصة خاليا عن مستحقّ الولاية ؛ ولكن لمّا رأيت ابنك أبا سعيد اطمأنّ قلبي ، لأنّي رأيت فيه بالفراسة سيصيب منه النفع إلى كثير من أهل العلم . قال هذا ، وأشار إلى أبي أن يذهبني إليه بعد الصلاة ، فلمّا قضينا الصلاة ، ذهبنا إليه ، ودخلنا عليه ، وسلّمنا على طريق العادة ، فردّ الجواب ، وقال لأبي : ارفع أبا سعيد - [ وأشار ] « 2 » إلى طاقة عالية كانت في صومعته - فإنّ هناك قرصا لينزله .
فأنزلت القرص ، فإذا هو من الشعير ، وحارّ بعد بحيث حرارته تؤثّر في يدي ، فأخبرته ، ودمعت عيناه ، وكسره نصفين ، وناولني النّصف ، وأكل هو النصف ، وما أعطى أبي منه شيئا ، فقال أبي : يا شيخ ، لم ما أطعمتني من هذا القرص شيئا لأتبرّك به ؟ فقال الشيخ أبو القاسم رحمه اللّه : إنّي من ثلاثين سنة قد وضعت هذا في الطاقة ، ووعدني بعض الأولياء أنّ هذا القرص إذا حمي في يد أحد ، فيسلم له حديث الولاية . فقال : لك البشارة يا أبا الخير ، فإنّ ذلك الشخص إنّما هو ابنك . ثم قال : يا أبا سعيد ، إن كانت همّتك مع اللّه طرفة عين ، فذلك خير لك ممّا طلعت عليه الشمس . وقال أبو سعيد : قال الشيخ أبو القاسم : يا ولدي ، يجب أن تذكر اللّه تعالى ؟ قلت : نعم . فقال : قل هذا الشعر في الخلوة كثيرا .
هامش
( 1 ) أسرار التوحيد 32 ، 33 .
( 2 ) ما بين معقوفين لإيضاح الكلام .