والنحو وغيرها ، ولا يصير محفوظا من فهم القرآن والحديث إلّا من كان ماهرا في المقدمات المذكورة
أقول : بل في علم الكلام والمعاني والبيان أيضا . قال الإمام الرازي روّح اللّه روحه في « تفسير الكبير » « 1 » : من أراد أن يشرع في شيء من تفسير كلام اللّه ، وهو غير ماهر في علم العربية والكلام ، فهو في غاية البعد من اللّه عزّ وجل .
وقال السّكاكي صاحب كتاب « المفتاح » فيه « 2 » : الويل كلّ الويل لمن يتعاطى التفسير وهو فيهما راجل - أي في المعاني والبيان - واللّه أعلم
والحال أنّ أكثر الناس لا يعلمون شيئا من العلوم المذكورة ، وكلام المشايخ كما قلنا : شرح للقرآن والحديث ، فجمعت ذلك لينتفع به الخواصّ والعوام ، ولذا ما كان منه بلغة العرب نقلته إلى الفارسية ؛ ليعمّ نفعه للعجم أيضا
والباعث الآخر : هو أنّي رأيت الناس يؤثّر فيهم القول الباطل مثل ما إذا شتم إنسان ، أو قيل له كلام على خلاف مراده ، فيتأثّر منه ، ويسعى في إيذاء القائل ، وإن لم يقدر يضمر الحقد مدّة ، فإذا كان تأثير الباطل بهذا الحيثية ، فلا بعد في أن يكون الحقّ مؤثرا فيهم ، وإن لم يدركوا تأثيره
نقل عن الإمام عبد الرحمن الإسكافي رحمه اللّه حين سئل عمّن يقرأ القرآن ولا يفهم معناه ، هل له فائدة من قراءته ؟ أنه قال : ما تقولون في مريض شرب الدواء ولا يعلم أنّه دواء ، فهل ينفعه ذلك أم لا ؟ قالوا : نعم ، ينفع . قال : فهذا أيضا مثله ؛ بل ربّما كان انتفاعه بالقرآن في هذه الحالة أكثر من شرب الدواء
الباعث الآخر : هو أنّ لي قلبا لا يميل بعد كلام اللّه وحديث الرسول إلى غير كلام المشايخ ، ولا أريد تعاطي غيره ؛ لأنّ كلماتهم مملوءة من ذكر الحبيب ونعوته وأوصافه ، والإرشاد إليه ، والإخبار عنه ، والمحبّ لا يريد سوى هذا .
هامش
( 1 ) لم أجد قوله هذا في المطبوع من كتاب مفاتيح الغيب المشتهر بالتفسير الكبير للرازي .
( 2 ) مفتاح العلوم 249 ( علم البيان ) .