السلامة حينئذ ؟ فقال : اقرؤوا كلّ يوم أوراقا من كلماتهم ، واجعلوها وردا لكم ، ولا شكّ أنّ هذا البساط انطوى ، وصاحب العرفان في زاوية الاحتجاب انزوى ، ترى هذه الطريقة قد عطّلت مشاهدها ومواردها ، وسدّت مصادرها ومعاهدها ، خلت ديارها ومراسمها ، وعفت أطلالها ومعالمها ، والمدّعى متلبّسا بذاك اللباس ، فارتفع الامتياز ووقع الالتماس ، وحلّ لذلك بالناس المكروه والباس .
قال الجنيد للشبلي رحمهما اللّه : إذا وجدت من يوافقك على كلمة ممّا تقول فتمسّك به .
والباعث الاخر : هو أن يحكم قوله إلا خير شرّ ظهرت الأشرار ونسوا الأخيار « 1 » .
فأردت جمع هذا الكتاب ليكون تذكرة للأخيار بين الأشرار ، إذ ربّما يكون فقير في زاوية مشتاقا إليهم وإلى أحاديثهم ، فيشتغل بهذا الكتاب ويتذاكرهم ، ويستفيد منهم ، على أنّ الكتاب لا يخلو عن فوائد :
الأول : أنّه يبرّد الدنيا على قلب القائل .
الثاني : أنّه يذكّر الآخرة .
والثالث : أنّه يورّث في قلوب القابلة محبّة الحقّ جلّ جلاله .
الرابع : يرشد الناس إلى التزوّد ليوم المعاد .
ويمكن أن يقال : يجعل هذا الكتاب - بتوفيق اللّه - المخنّث رجلا ، والرجل أسدا شجاعا ، فمن يطالعه يطّلع على شيء من أسرار أهل الطريقة والمعرفة ، وعلى رياضاتهم ومقاماتهم ومجاهداتهم ومقاساتهم .
ولا شكّ أنّ ذلك محرّك للسامع على الطاعة ، وأيضا لأكون لهم كالكلب لأصحاب الكهف ، لعلّي أنجو ببركتهم يوم الفزع الأكبر .
هامش
( 1 ) كذا الأصل ، وفي المطبوع من الترجمة صفحة 191 : سبب آخر : هو إنني مثلما أرى ، فقد حلّ زمان الخير فيه شر ، ونسي فيه أشرار الناس أخيار الناس فأعددت . . .