كما نقل عن أبي عليّ الأسود أنه يقول : ما لي أمنية إلّا [ أن ] أسمع حديثا من أحاديث الحبيب ، أو أرى أحدا من أهله
أقول : ونعم ما قال ذلك العاشق الهائم ، والصبّ التائه في بيداء الهوى ، المبتلى بضرّ النوى ، حيث قرب من قصر مهويّته ، ولم يجد إليها طريقا ، أو كان في يمّ الاشتياق غريقا ، وبنار الفراق حريقا ، وازداد التياعه وشوقه ، ولذا قيل :
وأبرح ما يكون الشّوق يوما * إذا دنت الخيام من الخيام « 1 »
مخاطبا للحمامة التي تراها المهوية ، وتسمع صوتها بهذا الشعر :
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي * فأنت بمرأى من سعاد ومسمع « 2 »
أي : اسجعي ولا تشتكي ، فأنت بموضع تراك سعاد ، وتسمع صوتك ، وأنا أراك وأسمع صوتك ، وأقنع من الحبيبة بهذا القدر من القرب .
الجرعا : تأنيث الأجرع ، قصرها للضرورة ، وهي أرض ذات رمل .
والحومة : معظم الشيء .
والجندل : أرض ذات حجارة .
خاطب حمامة هي في أرض ذات رمل ، في أرض ذات حجارة ، واللّه أعلم .
ثم قال أبو علي الأسود رحمه اللّه : أنا رجل أمّيّ ، لا أحسن أن أكتب ولا أقرأ ، فأريد من يخبرني عنه - أي من الحبيب - لأسمع ، أو أخبر أنا وهو يسمع ، فإنّي بريء من جنّة لا يتعاطى فيها كلام الحبيب والحديث عنه .
والباعث الآخر : ما سئل عن الإمام أبي يوسف الهمذاني رحمه اللّه :
ما تقول إذا لم تر من هذه الطائفة أحدا لتواريهم في التراب ، ففيما ذا تكون
هامش
( 1 ) بيت ذكره ابن أبي حجلة في كتابه ديوان الصبابة 24 من غير عزو ، وفيه : وأعظم ما يكون العشق .
( 2 ) بيت لابن بابك ، ذكره ابن الأثير في المثل السائر 1 / 1407 ، والعباسي في معاهد التنصيص 1 / 59 .