تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
قال الأستاذ : مرضت وأنا بمرو ، وأشتهي أن أكون حينئذ بنيسابور ، فأخذني نعاس رأيت قائلا يقول : أنت لا تقدر على الخروج من هذه المدينة . قلت : لم ؟ قال : لأنّ جماعة من الجنّ قد أعجبهم كلماتك ، وهم يحضرون كلّ يوم مجلسك ، فاللّه تعالى أقامك في هذه المدينة لأجلهم . نقل أنه رحمه اللّه كان يوما على المنبر ذمّ الإنسان ذمّا عظيما ، وقال : إنه حسود ، معجب ، متكبّر . . وما شاكله . فقال الرجل : يا أستاذ ، الإنسان مع جميع هذه الخصال الذّميمة ، له قابلية المحبّة أم لا ؟ قال : أما سمعت قول اللّه :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] . نقل أنه يوما كان يقول على المنبر كثيرا في أثناء الكلام : ( اللّه ، اللّه ) ، فقال القائل : ما اللّه يا أستاذ ؟ قال : لا أدري . فقال القائل : لم تقول ما لا تدري ؟ قال الأستاذ : إذا لم أقل ( اللّه ) فما أقول ؟ . أقول : إشارة إلى كنه معرفة اللّه أنه لا يحصل لأحد .
وإن طالت الأيام ، واتّصل العمر « 1 »
ومع هذا ينبغي أن لا يفتر الطالب في طلبه ، ولا الذاكر عن ذكره ، واللّه تعالى مطلوب على خلاف سائر المطالب ، فإنّ من عجز في طلب شيء عن إدراكه يتركه لا محالة ، وأما في طلب اللّه تعالى فكلّما يعجز الطالب عن الإدراك ، يشتدّ طلبه ، ويكثر طربه . واللّه أعلم . نقل أنّه قام فقير في مجلسه ، وقال : أنا رجل فقير ، ومذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئا . وكان جماعة من المشايخ حاضرين ، فصاح عليه الأستاذ أبو علي ، وقال : مه يا كذّاب ، فإنّ الفقر سرّ من أسرار اللّه تعالى ، والسلطان لا يضع سرّه فيمن يفشيه ويذيعه ؛ بل عند من يقول : هل من مزيد ؟ .
هامش
( 1 ) عجز بيت لمحمود الوراق ، الديوان 121 ، وقبله :إذا كان شكري نعمة اللّه نعمة * عليّ له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله * وإن طالت الأيام واتصل العمر