تعالى بحسب الظاهر مستحيل قطعا ، وأمّا المعرفة فغايتها العجز عن المعرفة ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « سبحانك ما عرفناك حق معرفتك » « 1 » .
وروي عن داود عليه السلام : سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلّا بالعجز عن معرفته . ويروى هذا عن جعفر الصادق أيضا .
فعلى هذا من ادّعى أنّه وصل إليه بالمعرفة ، أو وصل إلى كنه المعرفة ، فدعواه كذب وباطل ، ومن يكون كذلك فلا حاصل له في معرفته ، ولا طائل لمرتبته ، يؤيّده ما روي عنه صلى اللّه عليه وسلم : « من قال : إنّي من خير الناس فهو من شرّ الناس ، ومن قال إنّي في الجنة فهو في النار » « 2 » . واللّه أعلم .
نقل أنّ الشبليّ رحمه اللّه سئل عن التصوف ، فقال : فناء الناسوتية - أي البشرية - وظهور اللاهوتية - أي الإلهية .
وقال : التصوف ضبط الحواس ، ومراعاة الأنفاس .
وقال : لا يصير الإنسان صوفيّا حتى يرى جميع الخلائق عيالا له - أي في النصيحة لهم ، وتربيتهم .
وقال : الصوفي من انقطع عن الخلق ، ويكون للّه وحده ، كما قال اللّه تعالى لموسى عليه السلام :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] .
وقال : التصوف هو العصمة عن رؤية الكون - يعني لا يرى الوجود إلّا للّه الواحد القهار .
هامش
( 1 ) حديث ذكره ابن عرب شاه في فاكهه الخلفاء 122 ، قال المناوي في فيض القدير 2 / 410 تحت قوله : « إن أتقاكم وأعلمكم . . . » . وفي الخبر : سبحانك ما عرفناك . والحديث يذكر بقول الملائكة للّه عزّ وجل : « سبحانك ما عبدناك حق عبادتك » الذي رواه الطبراني في المعجم الأوسط 4 / 44 ، والمعجم الكبير 2 / 184 . وقد تقدم الحديث صفحة 181 .
( 2 ) قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ومن قال إني في الجنة فهو في النار » رواه الطبراني في المعجم الصغير 1 / 120 ( 176 ) عن يحيى بن أبي كثير . قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 186 : وفيه محمد بن أبي العطاء الثقفي ، ضعفه أحمد ، وقال : هو منكر الحديث ، وذكره ابن حبان في الثقات ، ومع ذلك فهو من قول يحيى موقوفا عليه . وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قال : إني من خير الناس ، فهو من شرّ الناس » فلم أجده في المصادر التي بين يدي . وانظر الحاشية ( 4 ) صفحة 174 .