تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
قيل للشبلي رحمه اللّه : الدنيا دار الاشتغال ، والآخرة دار الأهوال ، فمتى الراحة ؟ قال : اجتنبوا عن أشغال الدنيا للنجاة عن أهوال الآخرة . قيل له : أخبرنا عن التوحيد بعبارة محرّرة . قال : ويحكم ، من أخبر عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد ، ومن أشار إليه فهو ثنوي « 1 » ، ومن سكت فجاهل ، ومن ظنّ أنّه واصل فليس له حاصل ، ومن قال : إنّه قريب ، فهو بعيد . أقول : أمّا قوله : ( من أخبر عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد ) أي : مائل إلى الباطل ، فمعناه : أنّه لا بدّ من الاعتقاد الصحيح أولا ، ثم التحقيق ثانيا ، ثم الشهود ثالثا . فالأول يعبّر عنه بعلم اليقين ، والثاني بعين اليقين ، والثالث بحقّ اليقين ، فمن لم ينظر إلى هذه الأحوال ، واكتفى عن المذكورات ، بالعبارة ، فهو ملحد لا محالة . وأما قوله : ( ومن أشار إليه - أي إلى اللّه تعالى - بالإشارة ) الحسّية أنه هناك أو هنا فهو مشرك ثنوي ، لأنّ كونه مشارا إليه يستلزم أنّه جسم « 2 » ، وفي مكان وزمان ، وهذا وأمثاله من صفات المحدثات ، وسمات الممكنات ، واللّه تعالى مقدّس عن ذلك ، منزّه عنه . وأما قوله : ( ومن سكت فجاهل ) فمعناه : أنّ من عرف اللّه تعالى ، وخرج بتوفيقه تعالى من ظلمات الغواية إلى نور الهداية كما قال اللّه تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] فيجب عليه أن يقرّ بالتوحيد ، ويعرب عنه لتجري عليه أحكام الشرع ، وإلّا فجاهل ظاهر ، وإن كان عارفا باطنا ، ولكن من عرف اللّه تعالى ، وآمن به ، ولم ينطق بما اعتقد فإمّا لخرس ، أو لخوف على النفس ، أو لأنه لم يبق إلّا أن ينطق فهو مؤمن عند اللّه ، غير مؤمن عندنا . وأما قوله : ( من ظن أنه واصل فليس له حاصل ) فمعناه : أنّ الوصول إلى اللّه
هامش
( 1 ) كتب أمامها في ( أ ) : في نسخة وثني . ( 2 ) في ( أ ) : لأن قوله ( مشار إليه ) يستلزم جسما له .