لا يصير وليّا إلّا وأن يكون مخفيا في عمله ، مصيبا في اعتقاده ، ولا شكّ أن هذا موقوف على صدق النبيّ في نبوّته ، فإذا بلغ واحد منهم من أمّته إلى رتبة الولاية ، فببركة متابعته ، ولزوم سنّته ، ومواظبة طريقته ، فتصير كرامته معجزة لنبيّه ؛ لأنّها تدل على صدقه في دعواه .
ومنها : أنّ إنكار الكرامة من أهل البدع والأهواء ليس بعجيب ، فإنّهم لم يشاهدوا الكرامة من أنفسهم قطّ ولا من رؤسائهم الذين اقتدوا بهم ، مع أنّهم كانوا يزعمون أنّهم على شيء ، ويجتهدون في أمر العبادات ، والاجتناب عن المنهيات ، فوقعوا في أولياء اللّه أصحاب الكرامات يمزّقون أديمهم ، ويمضغون لحومهم ، ولا يسمّونهم إلّا باسم الجهلة ، ولا يعدّونهم إلّا في أعداد المبتدعة ، ولم يعرفوا أن مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ، ونقاء السريرة ، واقتفاء الطريقة ، واصطفاء الحقيقية .
وإنما من بعض فقهاء أهل السنة حيث قال ، لمّا روي عنده عن إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه أنّهم رأوه بالبصرة يوم التروية ، وهو يوم الثامن من ذي الحجة ، ثم رأوه في ذلك اليوم بمكّة شرّفها اللّه : إنّ من اعتقد جواز ذلك كفر .
والإنصاف ما ذكره بعض الأئمة حين سئل عمّا يحكى أنّ الكعبة كانت تزور أحدا من الأولياء « 1 » ، هل يجوز القول به ، أم لا ؟ فقال : نقض العادة على سبيل الكرامة جائز عند أهل السنة ، كذا في « شرح المقاصد » للعلّامة التفتازاني نوّر اللّه قبره .
ومنها : أنّ الكرامة تنال بالكسب أم لا ؟ قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه تعالى في « رسالته » « 2 » : حكي عن سهل بن عبد اللّه التّستري نوّر اللّه مضجعه أنّه قال « 3 » : من زهد في الدنيا أربعين صباحا صادقا عن قلبه ، مخلصا في ذلك لربّه ، تظهر له الكرامات « 4 » ، ومن لم تظهر له ، فلعدم الصدق في
هامش
( 1 ) انظر صفحة ( 98 ) وذهاب الكعبة لاستقبال رابعة .
( 2 ) الرسالة القشيرية 495 ( كرامات الأولياء ) .
( 3 ) في ( أ ) : أنه من قال .
( 4 ) في ( أ ) : من الكرمات ، والمثبت من الرسالة .