تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
لا يسقط التكاليف الشرعية من الأمر والنهي ما دام عاقلا ، وذلك لعموم الخطابات الواردة في التكاليف ، ولأنّ أكمل الناس في المحبّة والإخلاص هم الأنبياء عليهم السلام ؛ سيّما حبيب اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مع أنّ التكاليف في حقّهم أتمّ وأكمل ، وعباداتهم إلى آخر أعمارهم أوثق وأشدّ حتى أنّهم كانوا يعاتبون بأدنى زلّة ؛ بل بترك الأفضل . نعم ، حكي عن بعض الأولياء رضوان اللّه عليهم أجمعين أنّه استعفى اللّه تعالى عن التكاليف ، وسأله الإعتاق عن ظواهر العبادات ، فأجابه اللّه تعالى بأن سلبه عقله الذي هو مناط التكاليف ، فصار مجنونا في الظاهر ، ومع ذلك من علوّ المرتبة على ما كان عليه ، كذا في « شرح المقاصد » . وليعلم أنّ العارف باللّه تعالى لا يسأم من العبادة ، ولا يفتر في الطاعة ، ولا يسأل الهبوط من أوج الكمال إلى حضيض النقصان ، والنزول من معارج الملك إلى منازل الحيوانات ؛ بل ربّما حصل الانجذاب إلى عالم القدس والاستغراق في ملاحظة جناب الحقّ جلّ جلاله ، بحيث يذهل عن هذا العالم ، ويخلّ بالتكاليف من غير تأثّم في ذلك ، لكونه في حكم غير المكلّف عن النائم ، وذلك يعجزه عن مراعاة الأمرين ، وملاحظة الجانبين ؛ أعني الاستغراق في ملاحظة جمال اللّه ، والاشتغال بظواهر العبادات ، وربّما يسأل دوام تلك الحالة ، وعدم العود إلى عالم الظاهر ، وهذا الذهول هو الجنون ذكر بالعجمي بيت :
ديوانكك خود را ميكرد در سلاسل * برحاله عاقلي بودا بخادم از جنون زد حاصل
معناه : لما أراد الحبيب « 1 » أن يقيّد مجانين عشقه بسلاسل أزلافه « 2 » وأصداغه ، فادعى الجنون من كان هناك من العقلاء . ومنها : الغالب على الوليّ أوان صحوه هو الصدق في أداء حقوقه سبحانه ، ثم الرفق والشفقة على الخلق ، والانبساط بالرحمة بكافتهم ، ودوام تحمّله
هامش
( 1 ) في ( أ ) : لما أراد اللّه الحبيب . ( 2 ) كذا في ( أ ) . وكأنها بسلاسل أسلافه ، والسالف الشعر المتدلي على الصدغ .
تذكرة الأولياء — صفحة 16 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر