نقل أن الشبليّ رحمه اللّه كان يمرّ بالسوق ، فسمع فقاعيا « 1 » يصيح : ما بقي إلّا واحد - أي كوز واحد للفقاع - فشرع الشبليّ يصيح ويقول : هل بقي إلّا واحد .
نقل أنّ متكدّيا كان يقول : يكفيني رغيفان . وينادي على ذلك ، فقال الشبليّ : طوبى لك إذ يكفيك رغيفان ؛ فإنّي يعرض عليّ كلّ مساء جميع الكونين - أي الدنيا والآخرة - ولا أرضى به ، ولا ألتفت إليه .
نقل أنّ الشبليّ رأى رجلا يبكي ، فسأله عن سبب بكائه ، فقال : كان لي حبيب فمات ، فأبكي عليه . فقال : يا جاهل ، هلّا اتّخذت حبيبا لا يموت ولا يغيب .
نقل أنّه صلّى نوبة على جنازة ، فكبّر خمس تكبيرات ، فقيل له في ذلك ، قال : الأربع على الميت ، والتكبيرة الخامسة على سائر الناس .
أقول : واعترضوا عليه لأنّ التكبيرات المشروعة في صلاة الجنازة أربع ، وكأنّه بالخامسة أشار إلى أن النّاس أموات ؛ لاشتغالهم بما سوى الحقّ جل جلاله . واللّه أعلم .
نقل أن الشبليّ رحمه اللّه غاب أياما ، وما كانوا يجدونه ، ثم بالآخر وجدوه بعد طلب كثير في بيت مخنّث ، قالوا : يا شيخ ، لا نرى هذا البيت مكانا لك ، فلم قمت فيه أياما ؟ قال : دعوني ، كما أنّه ليس برجل ولا امرأة في الدنيا ، كذلك ما أنا برجل ولا امرأة في الدين والجنس إلى الجنس - كما قيل - يميل .
أقول : وهذا يدلّ على كامل تواضعه وإنكاره في نفسه ، وعدم التفاته إلى أعماله ؛ بل إن أعماله وإن كثرت كان في نظره كلا عمل ، وهذا طريقة المخلصين ، وسبيل الخالصين ، يؤيّده قوله تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
[ النجم : 32 ] . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) الفقّاع : شراب يتخذ من الشعير ، والفقاعي بائعه . معجم متن اللغة .