تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
نقل أنه نوبة كان يدور في السوق ويقول : آه من الإفلاس ، آه من الإفلاس . قالوا : ما الإفلاس ؟ فقال : مجالسة الناس ، ومحادثتهم ، والمخالطة معهم . نقل أنّه مرّة مرّ بجماعة متنعّمين مشتغلين بتحصيل لذّات فانية دنيوية ، فشهق ، وقال : هذه قلوب واهية غافلة عن اللّه تعالى ، وعن ذكر اللّه « 1 » ، فلا جرم أنّ اللّه تعالى ابتلاهم بجيفة الدنيا ونجاستها . ونقل أنّه رأي في بعض المقابر امرأة تبكي وتقول : آه من فراق الولد . فصاح الشبلي ، وبكى ، وضرب على رأسه ، وقال : آه من فراق الأحد . قال : التقيت بإبليس ، فقال : يا شبلي ، لا يغرّك صفاء الأوقات ، فإنّ تحته غوامض الآفات . نقل أنّه رأى نارا مشعولة في حطب طريّ نديّ ، والماء يتقاطر من الطرف الآخر كما هو المعروف ، فنظر إلى الأصحاب ، وقال : أيّها المدّعون ، فإن صدقتم أنّ في قلبكم نار الخوف والمحبة ، فأين تقاطر الدموع من عيونكم ؟ . نقل أنه دخل في بيت الجنيد ، وهو في غلبات الشوق والسكر ، وامرأة الجنيد مكشوفة الرأس ، فأرادت أن تستر رأسها ، فقال الجنيد : لا تستري رأسك ، فإن سكران هذه الطائفة لا يلتفت إلى الجنّة ، ولا يحسّ بالنار . ثم شرع يتكلّم ويتحدّث مع الجنيد حتى غلبه البكاء ، فالتفت الجنيد إلى امرأته ، وقال : غطّي رأسك الآن ؛ فإنه صحا ، لأجل هذا يبكي . وقيل دخل على الجنيد يوما محزونا ، فقال الجنيد : مالك يا شبلي ، من طلب وجد ؟ قال الشبلي : لا ، بل من وجد طلب . أقول : كلام الجنيد إشارة إلى مقام السالك المجذوب ، وكلام الشبلي إلى مقام المجذوب السالك ، ولا شكّ في أنّه لو لم يكن من اللّه جذبه أولا كيف يطلبه أحد ، بل كيف يغيّر فيقدّم الجذبة ؟ - أعني التقدير الأزليّ ، والعناية الأولية
هامش
( 1 ) في ( أ ) : غافلة من اللّه وعن رسوله .