فعرفته ، وأطرقت رأسي لئلا يبطل توكّلي ، فنزل هو إليّ ، وما سلّمت عليه لئلا يدخل خلل في توكّلي ، وقال لي : يا خوّاص ، لو نظرت إليّ لما نزلت إليك .
وقال الخوّاص رحمه اللّه : عطشت في البادية حتى سقطت ، فرأيت شخصا راكبا حسن المنظر ، جاء إليّ ورشّ الماء عليّ ، وسقاني ، وأركبني خلفه ، وكنت بأرض مكّة شرّفها اللّه تعالى ، وسار بي قليلا ، فنظرت ، فإذا أنا بأرض المدينة ، فقال : انزل ، وامض ، وبلّغ منّي السلام إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم .
وقال الخوّاص رحمه اللّه : وصلت في البادية إلى شجرة ، فالتقيت هناك بأسد ، فتوجّه إليّ ، حتى ما بقي الفرار منه ، فاستسلمت له ، فجاء إليّ ، وتملّق ، واضطجع ، ثم مدّ رجله وله أنين ، فنظرت إليها ، فوجدتها متورّمة اجتمع فيها القيح ، فعرفت أنّه يريد تفجيرها ، وإخراج القيح ، فأخذت شوكة ، وشققت رجله ، وطلع ما فيها من القيح ، وشددت بخرقة ، فسكن الأسد من الاضطراب والألم ، ثم ذهب ، وجاء بعد ساعة ومعه شبلان له في رغيف ، فوضع الرغيف بين يدي ، وشرع يتملّق هو مع شبليه ، ويتبصبصون « 1 » .
نقل أن الخوّاص رحمه اللّه مع مريد له استقبلهما بالبادية أسد ، ففزع المريد ، وصعد شجرة وفرائصه ترتعد من الفزع ، والشيخ رحمه اللّه بسط سجّادته ، وشرع في الصلاة ، فجاء إليه الأسد ، ووقف عنده ، ونظر إليه طويلا ، ثم تركه وذهب ، ونزل المريد ، ومشيا زمانا ، ثم إن بقّة قرصت الشيخ ، فتأذّى منها ، وتألّم ، وقال المريد : يا عجبا ، ما فزعت من الأسد ، وتتألّم من قرصة بقّة ! ؟ قال : لأنّي حين لقيت الأسد ما كنت معي ؛ بل كنت مستغرقا في بحر المكاشفة ، والآن أنا معي ، فلأجل هذا أتأذّى من البقة .
وقال حامد الأسود : كنت مع الخوّاص رحمه اللّه في سفر ، فانتهينا الماء إلى مكان كثير الحيّات ، فوضع الركوة ، ونزل هناك ، فطلعت حيّات كثيرة خبيثة ، قلت : يا شيخ ، اذكر اللّه ، لعلّه يعيذنا من شرّ الحيات . ففعل ، وغابت
هامش
( 1 ) بصبص الأسد : حرّك ذنبه .