تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
ونقل أنّ مريدا له كان بالبصرة منزويا في خلوة ، ففي بعض الأيام همّ معصية ، فاسودّ وجهه ، فنظر في المرآة ، وتحيّر في حاله ، واختفى عن الناس حياء ، بعد ثلاثة أيام شرع وجهه يبيضّ شيئا فشيئا إلى أن ابيضّ كلّه ، ثم جاء إليه شخص بكتاب من الجنيد رحمه اللّه إذا فيه : لم تسيء الأدب في حضرة اللّه تعالى ليسوّد وجهك ؟ وإنّي دعوته مرّات حتى عاد إليه البياض ، وكان الجنيد ببغداد حينئذ . نقل أنه رحمه اللّه دخل البادية مع تلميذ له ، وأثّرت الشمس في رقبة التلميذ حتى احترقت وسال منها الدم ، فقال : اليوم يوم حارّ . فالتفت إليه الجنيد ، وقال : أنت لا تليق بالصحبة . وهجره عن الصحبة . ونقل أن تلميذا كان أعزّ عليه من سائر تلاميذه حتى غاروا عليه غيرة عظيمة ، فقال الشيخ رحمه اللّه : لأنّه أذكى وأفهم ، وإنّي سأمتحنكم جميعا . فأمر يوما بشراء عشرين دجاجة ، وأعطى كلّ تلميذ واحدا ، وأمره أن يذبحها في موضع لا يراه أحد ، فذهبوا ، ورجع كلّ بدجاجة مذبوحة إلّا ذلك التلميذ ، رجع بلا ذبح ، فسألوه عن ذلك ، قال : إنّ الشيخ قد أمرني أن أذبحها في موضع لا يراني أحد ، وإنّي كلّما سعيت في ذلك ما قدرت عليه ؛ لأنّ اللّه تعالى لا شكّ يراني وينظر إليّ ، ولا قدرة لي أن أختفي منه تعالى . فألزمهم الشيخ بذلك ، وهم استغفروا وتابوا . نقل أنّ شخصا من السادة يسمّى ناصريا قصد الحجّ ، فلما دخل بغداد ، ودخل على الجنيد رحمه اللّه ، وزاره ، سأل الجنيد عن مكانه ، قال السيّد : وطني جيلان . فسأله عن نسبه ، قال : من أولاد أمير المؤمنين عليّ كرّم اللّه وجهه . قال الشيخ : كان أبوك رضي اللّه عنه يجاهد في سبيل اللّه بسيفين ، يستعمل أحدهما مع الكفار ، والآخر مع نفسه ، فيا من هو من أولاده رضي اللّه عنه ، فأنت أيّ السيفين تستعمل ؟ فبكى السيد ، وقال : يا شيخ ، أرشدني إلى اللّه تعالى . قال الشيخ : اعلم أن صدرك حريم خاصّ للّه تعالى ، فلا تجعل فيه لغيره طريقا ما استطعت .