تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
ويقول : هم قوم ليس لهم همّة سوى اللّه ، وإن كان لهم حاجة إلى غير اللّه تتفرّق همّتهم ، ويتشوّش عليهم حالهم ، فعلى هذا توسّلي إلى اللّه تعالى بقلب حاضر أحبّ إليّ من التوسّل بألف قلب يكون همّتها الدنيا ، سمع الجنيد هذا الكلام ، فقال : هذا كلام المحبّين . ثم عرض لذلك الرجل فقر بسبب أنّه ما كان يأخذ من الصوفية ثمن ما يبيع ، فحصّل الجنيد مالا ، وأعطاه إياه ، وقال : اتّجر ؛ فإن لمثلك لا تضرّ التجارة . نقل أن شخصا من المريدين زعم أنه وصل إلى درجة الكمال ، وترك صحبة الشيخ ، وقال : الخلوة أنفع لي بعد اليوم من مواظبة مجلس الشيخ . فانزوى في زاوية ، ومضى عليه زمان حتى انتهى أمره إلى أن كان يتخيّل أنه يجاء إليه كلّ ليلة بأسد ويركبه ، ويقال له : نذهب بك إلى الجنة . وهو يذهب راكبا على الأسد إلى موضع نزيه ، بين طائفة حسان ، في روضة وماء جار ، وكان يبيت هناك إلى السحر ، ثم ينام ، وعند الانتباه يرى نفسه في صومعته ، فاغترّ بذلك ، وتكبّر في نفسه ، وحصل له عجب عظيم ، فبلغ إلى الجنيد رحمه اللّه ، فقصده ، وذهب إليه ، فوجده متكبّرا ، معجبا ضائعا في نفسه ، فسأله عن حاله ، فأخبر ما جرى له ، فقال الشيخ : الليلة إذا وصلت إلى ذلك المقام ، فقل ثلاث مرّات : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم . فلمّا أمسى ، وهو على العادة ، ركب الأسد ، وذهب إلى مقامه الموعود ، وهو منكر لوصية الشيخ ، ولكن عند الوصول قال للتجربة : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم ، فالقوم صاحوا وغابوا ، وهو وجد نفسه في مزبلة ، بين يديه عظام الموتى ، فعلم أنّه أخطأ وضلّ ، فتاب من ذلك ، ورجع إلى الشيخ ، وقبل أمره ، وتيقّن أنّ الخلوة للمريد أضرّ من السحر ، وصحبة الشيخ هي الترياق . نقل أن رجلا من المريدين شهق في مجلس الشيخ حين هو يتكلّم ، فصاح عليه الشيخ ، ومنعه ، وأوعده إن عاد ، ثم شرع في الكلام ثانيا ، فلم يطق المريد ، وما صاح احتراما للشيخ ، ثم وجدوه ميتا محترقا في دلقة ، صائرا رمادا .