أنتظرك ، فلم تأخّرت ؟ علمت أنّه كان سبب تشوّش بالي ، واضطرابي في الصلاة ، قال : ماذا تقول : متى يصير داء النفس دواء لها ؟ قلت : إذا خالفتها يصير دواءها . فقال : يا نفس ، كم سمعت منّي هذا الجواب ، فاسمعي من الجنيد أيضا . ثم ذهب وغاب ، وما علمت أنه من كان ، ومن أين جاء ، وإلى أين ذهب .
نقل أنه سمع أن في قلّة الجبال راهبا في صومعة ، وهو يخبر عن المغيّبات ، فذهب إليه الجنيد في جماعة من الأصحاب قاصدا لإسلامه ، فلمّا قرب منه ، طلع الراهب من صومعته ، وقال : لا تجئ إليّ ؛ فإنّي لا أقبل كلامك . ثم قال :
تعال ، فتعجّب الجنيد عن هذا الحال ، فمضى إليه ، وقال الراهب : اعرض عليّ الإسلام . فعرض الجنيد ، وأسلم الراهب ، ثم سأله الجنيد عن المنع أولا ، ثم الطلب ثانيا ، قال : نفسي منعتني أولا من الإسلام لأنّي عرفت بالفراسة أنّك قصدت إسلامي ، فلا جرم منعتك ، ثم قلبي وافقني ، وخالف النفس ، وأمرني بالإسلام ، فلذا طلبت منك المجيء .
نقل أنّ علي بن سهل كتب إلى الجنيد : أنّ النوم غفلة ، ولا ينبغي للمحبّ أن ينام ، لأنّه حال النوم يغفل عن المقصود ، وعن وقته ، مصداقه ما أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : يا داود ، كذب من ادّعى محبّتي ثم نام بالليل ، وغفل عنّي وعن محبّتي .
فكتب الجنيد الجواب : أنّ اليقظة معاملتنا في طريق الحقّ ، ونومنا فعل الحقّ جلّ جلاله فينا ، فاختيار الحقّ يكون خيرا من اختيارنا ، والنوم موهبة من اللّه تعالى على المحبّين .
قيل : العجب أن الجنيد رحمه اللّه كان من أهل الصّحو ، ورجّح في هذه المكاتبة السّكر ؛ لعلّه أراد به ما ورد في الحديث : « نوم العالم خير من عبادة الجاهل » « 1 » .
هامش
( 1 ) هذا الحديث لم أجده في المصادر التي بين يدي .