من هذا . فشال الغطاء عن الطبق ، فرأى جسم ذلك السائل مشويّا موضوعا على الطبق ، فاجتنب عن أكله ، وقال : ما أكلت من لحم الميت ، ولا آكل . فقيل :
وكيف كنت تأكل من لحمه أمس ، والآن تنفر منه ؟ ! فعلم أنّه اغتاب السائل بما خطر بباله فيه ، وانتبه من النوم فزعان ، وقال : توضّأت وصلّيت ركعتين ، وخرجت في طلب السائل ، فوجدته في جنب الشطّ ، وهو يأخذ قطيعات البقل من وجه الماء ممّا غسلوه ، وذهب الماء بها ، ويأكل ، فلمّا رأى الجنيد رفع رأسه ، وقال : يا جنيد ، هل تبت ممّا أضمرت في حقّنا ؟ قلت : نعم . قال :
اذهب الآن واحفظ الخاطر
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
[ الشورى : 25 ] .
والسلام .
نقل أنه قال : تعلّمت الإخلاص عن حجّام ، إذ كنت بمكّة ، فالتقيت بحجّام يزيّن محاسن رجل من ذوي اليسار ، فقلت له : للّه تعالى احلق « 1 » رأسي . قال :
نعم . ودمعت عيناه ، وترك ذلك الرجل ، وجاء إليّ ، وقال : حين ذكرت اللّه تعالى ما بقي لغيره مجال . فأجلسني بين يديه ، وقبّل رأسي ، وشرع في الحلق ، ولمّا تمّ أعطاني كاغدا فيه قراضة ، وقال : اصرفها في حوائجك . فأخذت ، وشرطت مع نفسي أنّ أول شيء يفتح اللّه عليّ أبعثه إليه مكافأة لإحسانه ، فما مضى إلّا قليل إذ أهديت إليّ من البصرة صرّة ، فحملتها إليه ، فقال : ما هذا ؟
قلت : قد نويت أنّ أوّل ما يفتح اللّه عليّ أجازيك به ، فالآن حصل هذه ، فاقبلها منّي . فقال : يا رجل ، ما تستحي من اللّه تعالى ؟ فإنّك أمرتني أن أحلق رأسك للّه ، ثم جئت إليّ بالأجرة ، فمن رأيت عمل للّه عملا ، ثم أخذ الأجرة من غيره ؟ ! .
ونقل أنه قال : كنت أصلّي في ليلة من الليالي ، فما وافقتني نفسي في السجدة الأخيرة حتى ضاق قلبي ، فأردت أن أطلع من البيت ، ففتحت الباب ، فخرجت ، رأيت شابّا متدثّرا بكساء أسود واقفا بالباب ، فلما رآني قال : كنت
هامش
( 1 ) في ( ب ) : فقلت له : تعال احلق .