نقل أنه اتّجع ، فقال : اللهم ، اشفني بشفائك . فسمع هاتفا يقول : يا جنيد لا تدخل بين العبد وربّه ، بل امتثل بما أمرك ، واصبر فيما ابتلاك ، أنّى لك الاختيار ! .
نقل أنه عاد مريضا فقيرا ، فوجد له أنينا ، قال : ممّن هو أنينك ؟ فسكت الفقير ، فقال : مع من هو صبرك ؟ فصاح الفقير وقال : لا قوّة لي على الصبر ، ولا مجال لي إلّا الأنين ؟ ! .
ونقل أنه اشتكى بعض الأيام من علّة كانت بإحدى رجليه ، فقرأ الفاتحة ، ونفخ على الرّجل العليل ، فسمع هاتفا يقول : ألا تستحيي من اللّه ! تقرأ كلامه لحظّ نفسك ؟ .
ونقل أنه رمدت عيناه ، فنهاه الطبيب عن إيصال الماء إليها ، وقال : إن وصل إليها الماء وذهبت فلا تلومنّ إلّا نفسك . فلما ذهب الكحّال ، وجاء وقت الصلاة ، طلب الجنيد ماء ، وتوضّأ وصلّى ، ثم أخذه نعاس ، فقام من النوم ، وبرئت عينه بإذن اللّه تعالى ، ثم سمع هاتفا يقول : يا جنيد ، تركت العين لأجل رضائي ، فلو أنّك طلبت أهل النار كلّهم عنّي بذلك العزم لأعطيتك ، فكيف بالعين ؟ ثم رجع الكحّال ، ورأى عينه صحيحة ، ما بها علّة ، وكان نصرانيّا ، فسأله عن السبب ، قال : توضّأت وصلّيت . فآمن الكحّال ، وخرج عن الكفر ، وقال : لا شكّ أنّ هذا علاج الخالق ، وكان الضعف والرّمد في عيني ، وعينك كانت صحيحة ، وأنت الطبيب لا أنا .
ونقل أنّ شخصا من أهل الكشف دخل على الجنيد ، فرأى الشيطان هاربا من عنده ، ووجد الجنيد غضبان منزعجا على أحد الحاضرين ، فقال : يا شيخ ، الشيطان يدخل على الإنسان حال غضبه أكثر من غير هذه الحالة ، وقد رأيته يهرب منك ، وأنت في الغضب . قال الجنيد : لأنّا لا نغضب إلّا للحقّ ، لا جرم أنه لا يهرب منّا كما لا يهرب حال الغضب « 1 » .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : وقد رأيته يهرب منّا كما لا حال الغضب .