ونقل أنه قال : أردت أن أرى إبليس عليه اللعنة ، وبينما كنت يوما من الأيام واقفا على باب المسجد ، إذ رأيت شيخا قد أقبل عليّ ، وظهرت في قلبي منه وحشة ، فقلت : من أنت ؟ قال : الذي كنت تريده . قلت : يا ملعون ، وما منعك أن تسجد لآدم عليه السلام ؟ قال : يا جنيد ، هل رأيت أنّي كنت أسجد لغير اللّه تعالى ؟ قال الجنيد : فتحيّرت من كلامه ، فنودي في سرّي أن قل له : يا كذّاب ، لو كنت عبدا لامتثلت للأمر ، وانتهيت عن المنهي . فلمّا سمع إبليس عليه اللعنة هذا الكلام صاح وقال : أحرقتني يا جنيد ، وغاب .
نقل أنه قال شخص : إنّ الإخوان قليل . فقال الجنيد : إن أردت أخا يحمل عنك مؤنتك وثقلك فإنه قليل جدا ، وإن أردت أخا أنت تحمل ثقله ، فهذا كثير .
ونقل أنه كان يبكي في بعض الأيام ، فسئل عن سببه ، فقال : لو صار البلاء ثعبانا لصيّرت نفسي له لقمة ، ومع هذا قد انقضى عمري في طلب البلاء ، وبعد هذا يقولون لي : لا تليق ببلائنا .
ونقل أنه رحمه اللّه كان إذا اشتغل بالكلام في التوحيد يتكلّم كلّ مرّة بعبارة أخرى ، ما كان يصل إلى معناها فهم السامعين ، فقام يوما شخص وقال : إنّي لا أفهم معنى هذا الكلام . قال : لا تنظر إلى أعمالك التي عملتها في مدّة عمرك حتى تفهم . قال الرجل : تركت عبادة سبعين سنة وما أفهم بعد ؟ ! قال : اجعل رأسك تحت قدمك ، فإن لم تفهم فالملامة عليّ .
نقل أن شخصا من أهل الثروة أهدى الجنيد رحمه اللّه خمس مئة دينار ، فلما وضع بين يديه قال الجنيد : ألك غيره ؟ قال : نعم ، لي مال كثير . قال : تطلب غيره ؟ قال : نعم . قال الجنيد : فأنت أولى بهذا منّي ؛ فإنّي ما أجد شيئا من هذا ، وليس لي طلب بحمد اللّه ، ولا طمع .
نقل أنه رحمه اللّه رأى شخصا سائلا يسأل الناس في المسجد ، فخطر بباله :
أنّ هذا الرجل صحيح سالم ، فلم يسأل ، ولا يعمل عملا ليخلص به عن ذلّ السؤال ؟ ففي الليلة رأى في المنام أن وضع بين يديه طبق مغطّى ، وقيل له : كل
تذكرة الأولياء — صفحة 438
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٣٨