والنار ، فإنّي أختار النار لا الجنة ؛ لأنّ الجنة مرادي ، والنار مراد الحبيب « 1 » ، وإنّي أختار مرداه على مرادي . سمع الجنيد فقال : هذا كلام الصبيان ، فإن خيّرني اللّه تعالى يوم القيامة بينهما ، فلا أختار شيئا منهما ، إذ لا اختيار للعبد ؛ بل ما يختار الحبيب فهو مختاري ، فاختياري اختياره ، ورضاي رضاه ، ومرادي مراده ، وأنشد :
وكلت إلى المحبوب أمري كلّه * فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا
نقل أنه قال له شخص : ليكن قلبك حاضرا حتى أحدّثك شيئا . قال : منذ سنين أطلب من قلبي أن يحضر ساعة للّه ، فما وجدته ، فكيف يحضر الآن ؟ .
نقل أن رجلا من الصالحين رأى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في المنام جالسا ، والجنيد عنده ، فجاء شخص برقعة فتوى ، وطلب الجواب ، فأشار إليه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : أن أعطه الجنيد ليكتب الجواب . فقال الشخص : بحضرتك يا رسول اللّه كيف يفتي آخر ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : أنا أفتخر بالجنيد كما يفتخر الأنبياء بي .
قال جعفر بن قيصر « 2 » : أعطاني الجنيد رحمه اللّه درهما ، وقال : اشتر به التّين والزيت . وكان صائما ، فلمّا وضع تينا في فيه عند الإفطار رماه وبكى ، وقال : يا أخي ، ناداني هاتف وقال : ألا تستحيي أن تأكل شيئا حرّمته على نفسك لأجلي - أي في النهار - حال الصوم ، وأنشد :
نون الهوان من الهوى مسروقة * فصريع كلّ هوى صريع هوان
هامش
( 1 ) قوله هذا مخالف لما أخبر به المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، فقد روى أحمد في المسند 2 / 361 ، والبخاري في صحيحه ( 7280 ) والحاكم في المستدرك 1 / 55 ، وابن حبان في صحيحه 1 / 196 ( 17 ) ، واللفظ له : عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ، لتدخلنّ الجنة كلّكم إلّا من أبى وشرد على اللّه كشراد البعير » ، قالوا : يا رسول اللّه ، ومن يأبى أن يدخل الجنة ؟ قال : « من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبي » .
وقال عزّ من قائل في سورة النساء ( 147 ) :ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً .( 2 ) كذا في الأصلين ، وفي الطبعة الفارسية : جعفر بن نصير .