ونقل أنّه لمّا ترقّى شأنه ، أشار إليه السريّ السقطي بأن يعظ الناس ، ويعمل للوعظ ميعادا من الأيام ، وكان الجنيد غير راغب في الوعظ ، ويقول : مع وجود الشيخ يكون سوء أدب . حتى رأى في المنام أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمره بالوعظ ، فأصبح وأراد أن يذكر المنام للشيخ السريّ رحمه اللّه ، فحين طلع من البيت صادف السريّ واقفا بالباب ، وقال : يا جنيد ، مشايخ بغداد التمسوا منك الوعظ ، وأنا أيضا رأيت فيه المصلحة ، وأشرت إليك به ، فلم تقبل حتى أمرك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فالآن لزمك امتثال أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فأجاب الجنيد ، واستغفر اللّه تعالى ، وقال : يا شيخ ، بم عرفت أنّي رأيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في المنام ؟ فقال السريّ رحمه اللّه : إنّي رأيت اللّه تبارك وتعالى في المنام ، فقال : يا سريّ ، اعلم أنّي أرسلت محمدا صلى اللّه عليه وسلم ليأمره بالوعظ . قال : أشتغل بالوعظ بشرط أن لا يكون في المجلس أكثر من أربعين . ففعلوا كذلك ، واشتغل بالوعظ ، فمات ثمانية عشر من الأربعين ، وأغمي على اثنين وعشرين .
ونقل أنه بينما كان مشغولا بالوعظ في بعض الأيام إذ دخل في مجلسه نصرانيّ على زيّ المسلمين ، ولم يعرفه أحد من الحاضرين ، وقال : أيّها الشيخ ، قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « اتّقوا فراسة المؤمن ؛ فإنّه ينظر بنور اللّه تعالى « 1 » » . قال الجنيد رحمه اللّه : صدقت ، ولكنّ فراستي تقتضي أن تقطع زنّار الكفر ، وتدخل في الإسلام ، وتعلم أنّ قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حقّ ؛ فإنّ المؤمن ينظر بنور اللّه . فأثّر الكلام في قلب النصرانيّ ، فآمن عن قلب صاف ، وتعجّب الحاضرون من فراسته .
ثم انقطع عن المجلس ، وترك الوعظ ، كلّما ألحّوا عليه لم يقبل ، وقال :
علمت أنّه أعجبني الوعظ ، فلو اشتغلت به لهلكت . ثم بعد زمان شرع فيه بلا طلب ، فقيل له في ذلك ، قال : وجدت في بعض الأحاديث أنّ في آخر الزمان
هامش
( 1 ) حديث أخرجه الترمذي ( 3127 ) في التفسير ، باب ومن سورة الحجر ، والطبراني في الكبير 8 / 102 ، وأبو نعيم في الحلية 6 / 118 ، والخطيب في تاريخ بغداد 5 / 99 ، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 268 .