وقال كلّ واحد منهم كلاما ، فأشار السريّ إلى الجنيد ، وقال : يا صبي ، قل أنت أيضا في بيان الشكر شيئا . فقال الجنيد : الشّكر عبارة « 1 » عمّا إذا أنعم اللّه تعالى عليك بنعمة ألّا تجعل تلك النّعمة مادّة على المعصية « 2 » ، وأن لا تعصي اللّه تعالى فيها . فقال المشايخ : أحسنت يا قرّة عين الصدّيقين .
واتّفقوا على أنّه لا يمكن أن يقال في تفسير الشكر أحسن ممّا قال .
فرجع إلى بغداد ، واشتغل ببيع الزّجاج .
وكان يدخل الدّكان ، ويسبل سترا ، ويدخل خلف السّتر ، ويصلّي أربع مئة ركعة ، فمضى على هذا زمان ، ثم ترك الدّكان ، وواظب على مجلس السريّ ، واشتغل بحراسة القلب ، واجتهد في أن لا يخطر بباله غير الحقّ ، وعبر على هذه الحالة أربعين سنة .
نقل أنه ثلاثين سنة يصلّي العشاء ، ويقوم إلى الصباح ، ويقول : اللّه اللّه ، ويصلّي بوضوء العشاء صلاة الصبح ، فبعد أربعين سنة ظنّ أنّه قرب إلى المقصود ، فسمع هاتفا يقول : جاء وقت أن نريك إيّاك . قال الجنيد : إلهي ، وما أذنب الجنيد ؟ سمع نداء : يا جنيد ، على ذنب أعظم من أنّك ترى لك وجودا ! .
أقول : نظيره ما قيل : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب ، واللّه أعلم .
فتأوّه الجنيد ، وسكت وأنشد :
من لم يكن للوصال أهلا * فكلّ إحسانه ذنوب
وكان طول الليل قائلا : اللّه ، اللّه . حتى وقعت الناس فيه ، وشرعوا في الطعن ، وأوصلوا حاله إلى الخليفة ، والتمسوا زجره ، والخليفة يقول : كيف نحكم فيه بلا حجّة ونمنعه بلا علّة ؟ قالوا له : إنّ الناس مجتمعون عليه ، ويغترّون بكلامه . وكانت للخليفة جارية جميلة حسناء مشتراة بثلاثة آلاف ، ولم
هامش
( 1 ) في ( ب ) : الشكر عبادة .
( 2 ) في ( أ ) : مادة للمعصية .