يكن حينئذ جارية بجمالها ، وكان الخليفة عاشقا لها ، مفتونا بجمالها وغنجها ودلالها ، فأمرها الخليفة أن تتزيّن وتتجمّل بأنواع الحلي والجواهر واللآلئ واللّباس الفاخر وتتعطّر بأنواع العطر ، وأمرها أن تذهب إلى الجنيد ، وتقول له :
لي مال وجمال ، وأشتهي أن تقبلني وتتزوّج بي ؛ لأشتغل ببركة صحبتك بالطاعة والعبادة ، وقلبي مال إليك ، ولا يميل إلى غيرك ، وأمرها أن تعرض نفسها عليه ، وتكشف وجهها بين يديه ، وتحتال في ذلك ، وتجتهد فيه ، فذهبت الجارية مع خادم مجهول إلى الشيخ ، وذكرت ما أمرها الخليفة ؛ وبل بأضعافه ، ففي أثناء المكالمة وقع نظر الشيخ بلا اختيار عليها ، فأطرق رأسه ، وسكت ، والجارية بعد في الحديث ، ثم رفع رأسه وتأوّه ، فسقطت الجارية ميتة ، وذهب الخادم إلى الخليفة ، وحكاه الحال ، فاضطرب الخليفة وتشوّش ، وقال : من يعمل مع الرجال ما لا يليق ، يلق شيئا لا يريد . وقال : لا يليق أن ندعو إلينا مثل ذلك الرجل ؛ بل نحن نأتي إليه . والتقى به ، وقال : يا شيخ ، كيف وافقك قلبك حتّى دعوت اللّه على مثل تلك الجارية ؟ قال : يا أيّها الخليفة ، كلا ، ولكن أنت أردت أن تفسد عليّ عبادة أربعين سنة ، ولم تشفق عليّ ، واللّه تعالى غيور ، فأحرقتها نار غيرة اللّه تعالى ، ومن أنا ليكون لي تأثير في ذلك ؟ .
قال لبعض أصحابه : ما أخذنا هذا التصوّف بالقيل والقال ، وبالمحاربة والجدال ؛ ولكن وجدناه بالجوع والسهر ، والزّهد في الدنيا ، والانقطاع عن المحبوب فيها ، وعمّا يميل القلب إليه .
وقال : لا ينبغي أن يسلك هذا الطريق إلّا شخص يكون كتاب اللّه تعالى بيمينه ، وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم بيساره ، وبضوئهما يسلك ؛ لئلا يقع في جبّ الشّبهة ، وظلمة البدعة .
وقال : من تحمّل البلاء في هذا الطريق شيخنا عليّ المرتضى رضي اللّه عنه ، ولولا كلام ذكره عليّ رضي اللّه عنه لم يكن لهذه الطائفة شيء يتمسّكون به ، والكلام هو هذا الذي قال حين سئل : بماذا عرفت اللّه تعالى ؟ قال : بما جعلني عارفا به ، فعرفت أنّه لا يشبهه شيء ، وليس له صورة ، ولا يمكن أن
تذكرة الأولياء — صفحة 432
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٣٢