وكان ابتداء حاله أنّ بنت أمير العرب عشقته ، إذ كان صاحب صورة جميلة ، وهيئة حسنة ، وشكل مليح ، فانتهزت البنت فرصة ، وألقت نفسها إليه ، فرجف وهرب من تلك القبيلة في تلك الليلة ، ومضى إلى قبيلة أخرى ، وما نام ؛ بل وضع رأسه على ركبتيه ، فنعس ورأى في المنام موضعا لم ير مثله ، وهناك جماعة مستورة ، وشخص جالس على سرير كسلطان ، فتمنّى أن يعلم من هؤلاء ، ومن هذا الجالس على السرير ، فقال : من أنتم ؟ قالوا : جماعة من الملائكة ، والذي على السرير هو يوسف النبيّ عليه السلام ، جاء إلى زيارة يوسف بن الحسين . قال يوسف رحمه اللّه : فبكيت ، وقلت : من أنا ليزورني يوسف النبيّ عليه السلام ! كنت متفكّرا في هذا ، إذ نزل يوسف النبيّ عليه السلام من السرير ، وعانقني ، وقال : لما ألقت بنت ملك العرب نفسها إليك ، ووقعت بين يديك مع جمالها وحسنها وكمالها ، وأنت ما نظرت إليها ، وفوّضت أمرك إلى اللّه تعالى ، والتجأت إليه ، فعرضك اللّه عليّ وعلى جميع الملائكة ، وقال لي : يا يوسف ، أنت قصدت زليخا ، وهممت بها لولا أن رأيت
هامش
- أن النفس شرّ محض ، ولا يصدر عنها إلا ما وافق طبعها من رياء ورعونة ، ولذلك وقف منها دائما موقف الاتهام والمخالفة ، وهذا هو المراد بلوم النفس .
وكذلك يرى الملامتي أن معاملته مع اللّه سرّ بينه وبين ربه ، لا يصح أن يطلع عليه غيره ، فهو حريص على كتمان السرّ ، غيور على محبوبه أن يطلع الخلق على صلته به ، لذا تعمّدوا فعل ما يجب عليهم من الخلق السخط والازدراء ، وهذا هو لوم الناس إياهم .
وعدم الاستغراق في اللّه وعدم الغيبة عن النفس والعالم المحيط بها كان الحائل المنيع الذي سدّ على الملامتية باب القول بوحدة الوجود ، أو بالحلول والاتحاد ، وما شاكل هذه الأقوال التي شاعت على ألسنة الصوفية الذين تكلموا في الفناء .
ولعل أشمل تعريف للملامتية ما قاله أبو حفص النيسابوري : أهل الملامة قوم قاموا مع الحقّ تعالى على حفظ أوقاتهم ، ومراعاة أسرارهم ، فلاموا أنفسهم على جميع ما أظهروا من أنواع القرب والعبادات ، وأظهروا للخلق قبائح ما هم فيه ، وكتموا عنهم محاسنهم ، فلامهم الخلق على ظواهرهم ، ولاموا أنفسهم على ما يعرفونه من بواطنهم . انظر كتاب الملامتية وأهل الفتوة . تأليف د . أبو العلا عفيفي .